الأحد، 26 سبتمبر 2010

التطاول على المقدسات والرموز (مقالة)

لا شك أن المسلم يتغيظ من هذه الإساءات المتكررة التي تتطاول على مقدسات المسلمين وتتنقصها؛ سواء تلك الموجهة إلى ذات الله المقدسة أم دينه أم كتابه العزيز أم جناب النبي صلى الله عليه وسلم أم عرضه الشريف، لكن ينبغي أن لا يغيب عن بال المسلم أن هذه الإساءات ليست شيئاً جديداً؛ بل هي قديمة قِدَم المواجهة بين التوحيد والشرك. والقرآن يذكر لنا طرفاً من ذلك؛ فاليهود قالوا: "إن الله فقير"؛ وقالوا: "يد الله مغلولة"؛ وقالت النصارى: "إن الله ثالث ثلاثة"؛ وقالوا: "إن الله هو المسيح ابن مريم". وقال كفار قريش عن القرآن: "إن هذا إلا أساطير الأولين"؛ "إن هذا إلا اختلاق"؛ وقالوا: "إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون"، وقال الوليد بن المغيرة: "إن هذا إلا سحر يؤثر"، وقال المشركون عن نبينا محمد : "هذا ساحر كذاب"؛ "بل هو شاعر"، ووصف الله صنيعهم حين يرون النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولاً* إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها". وأما التطاول على عرضه الشريف فيكفيك حادثة الإفك التي ماجت بالمجتمع المدني في عصر النبوة شهراً كاملاً؛ وقد كان وقْع الحدث فيها على نبينا صلى الله عليه وسلم حتى إنه قام في الناس خطيباً وقال –بأبي هو وأمي-: "يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي" رواه الشيخان.
فمنذ قامت الدعوة إلى التوحيد وأعداؤه يهاجمونه ويتطاولون على رموزه؛ لكن الذي تغيّر في عصرنا هو أن هذه الهجمات الموجهة على مقدسات المسلمين أضحت أشد تركيزاً وأسرع تتابعاً وأكبر تحدّياً. فأما تركيزها فصار موجّها إلى المقدسات نفسها وليس إلى قِيَمِ التوحيد والحق التي تدعو إليها؛ وأما سرعة تتابعها فكأنما هي مشروع منظم -وليس ذلك ببعيد-؛ إذ لا تكاد فتنة منها تخبو وتنطفئ حتى تنبعث فتنة أخرى في موضع آخر، والمستقري للسنيّات الأخيرة يرى هذا جليّاً؛ فخلال خمس سنوات تقريباً (من أواخر عام 1425هـ) حدثت الإساءة للمصحف الشريف في معتقل غوانتنامو وظهرت الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم وتطاول بابا الفاتيكان على جناب النبي صلى الله عليه وسلم ودنّس الروافض مقبرة البقيع؛ وكان من آخرها –وليس بآخرها- تصريح الرافضي الخبيث بتنقّص العرض النبوي المطهّر واتهام أم المؤمنين بما برأها الله منه؛ ومحاولة القزم الأمريكي تحريق نسخ من المصحف الشريف.. والله أعلم بما تسقبلنا به الأيام: "قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر". وأما ضخامة التحدي ففي كون الإساءة تخرج مع أن صداها لن ينحصر في مجتمع معين صغير أو كبير؛ وإنما ستنقله العولمة الإلكترونية والإعلام العالمي إلى أرجاء الأرض؛ وهذا يعني أن في ذلك تهييج مشاعر أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين.
وليس بخافٍ موقف المسلم من هذه المنكرات العظيمة وأنه يرفضها جملةً وتفصيلاً ويغضب غيرةً لله ضدّها، لكن ينبغي التنبه لقضيتين مهمتين –في نظري-:
أولاً: لا بد أن تكون الغضبة عُمَريّة قوية بحجم الجريمة التي تقع؛ فلا يكفي مجرد الشجب البارد والإنكار الوادع. والدافع لهذا أمور؛ أهمها:
1/ أن لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه، والتطاول على مقام الربوبية أو الانتقاص للجناب النبوي الشريف أو اتهام عرضه صلوات الله وسلامه عليه ليس كسائر المنكرات. والمنكر دركات متفاوتة تنتهي إلى الكفر والشرك.
2/ أن ردة الفعل تجاه هذه التطاولات هي مؤشر على قدسية هذه الرموز في نفوس المسلمين ومكانتها في صدورهم ومعيار لقرب الناس من دينهم أو بُعْدِهم عنه، وإذا جاءت ردة الفعل الإسلامية باردة فإن هذا يعني إتاحة المجال لمواصلة التطاول بتكريره وتنويعه والتمادي فيه، مما يعني أن ردة الفعل ستظل تضعف وتخبو نارها حتى تموت. فهذه الإساءات هي مجسّات وحسّاسات لمعرفة موقف المسلمين؛ وهي محاولات لتخدير المشاعر والأحاسيس الإسلامية.
ولأجل ذا؛ فإن على المسلمين أن تكون ردّات فعلهم في صعود وارتقاء؛ وأن تكون الغضبة الثانية أشدّ من الأولى بما يوازي مجموع الجريمتين وليس بحجم كل جريمة مفردة.
ثانياً: أن يعظِّم المسلمون ربهم ويقدروه حق قدره بالتنائي والابتعاد عن مطالعة تفاصيل تلك الإساءات، وأن لا يتساهلوا في تناقله عبر المجالس أو المنتديات الإلكترونية، لأن ذلك كله يؤدي إلى استمراء رؤية مثل تلك المنكرات والتساهل بما هو أقل منها –وإن كان عظيماً- وتهوين نشرها؛ مما يرقّق الدين ويُضْعف الغيرة، بَلْهَ ما قد يعلق بالقلب من الشبهات التي لا يسطيع الانفكاك عنها.
ولقد كان السلف الصالح يتعاظمون أن يتحدثوا بشيء من تلك المنكرات ولو على سبيل النقل؛ قال سفيان بن عيينة: سمعت من جابر الجعفي (رافضي هلك) كلاماً خشيت أن يقع عليّ وعليه البيت. وقال الشافعي: سمعت من حفص الفرد (من أرباب الكلام) كلاماً لا أقدر أن أحكيه. وقال الإمام أحمد –بعد مناظرته للقائلين بخلق القرآن-: لقد تكلموا بكلام واحتجوا بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه.
ويستثنى من هذه القضية: العلماء والدعاة الذين يطّلعون على مثل تلك القبائح ليفضحوا عوارها ويدكدكوا شُبَهَهَا، مع الحذر من أن يسترسلوا بعرض الباطل بتفاصيله على العامة لئلا يقع المحذور.
وأؤكد بأن على عموم المسلمين –خلا من استثنيت- الحذر من تتبّع تفاصيل مثل تلك القبائح والبحث عنها للاطلاع عليها من قبيل الفضول.
ولتوضيح مقالي أقول: يكفي عمومَ المسلمين العلمُ بظهور رسوم مشينة تسيء للنبي صلى الله عليه وسلم دون البحث عنها أو محاولة الاطلاع عليها؛ ويكفيهم العلمُ بتطاول الرافضي الخبيث على العرض الطاهر الشريف دون التنقيب عن حديثه عبر الإنترنت لتدنيس المسامع بعفنه ونتنه.
وأما الحكومات الإسلامية فإن عليها واجباً أكبر يتمثل في مقاضاة هؤلاء المتطاولين والسعي في استصدار نظام عالمي يمنع من الإساءة إلى المقدسات الدينية والرموز؛ ولن يضير ذلك دينَ الله أو يمنع من نشره أو الدعوة إليه، وقد قال الله تعالى في كتابه: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم"، قال القرطبي المفسر –رحمه الله-: "قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال؛ فمتى كان الكافر في منعةٍ؛ وخيف أن يَسُبّ الإسلام أو النبي عليه الصلاة والسلام أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية" اهـ، وقال –رحمه الله-: "وفيها دليل على أن المُحِقّ قد يَكُفُّ عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين"اهـ. وقال الشيخ السعدي –رحمه الله-: "ينهى الله المؤمنين عن أمر كان جائزاً؛ بل مشروعاً في الأصل؛ وهو سبّ آلهة المشركين التي اتُخذت أوثاناً وآلهة مع الله؛ التي يتقرب إلى الله بإهانتها وسبّها. ولكن لما كان هذا السبّ طريقاً إلى سبّ المشركين لربّ العالمين الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل عيب وآفة وسبّ وقدح؛ نهى الله عن سبّ آلهة المشركين لأنهم يَحْمَون لدينهم ويتعصبون له. لأن كل أمة زيّن الله لهم عملهم فرأوه حسناً وذبّوا عنه ودافعوا بكل طريق حتى إنهم ليسبّون الله رب العالمين الذي رسخت عظمته في قلوب الأبرار والفجار إذا سبّ المسلمون آلهتهم..."اهـ.
وأخيراً.. فإن على جميع المسلمين –حكومات وشعوباً- السعيَ في توظيف مثل هذه الإساءات إيجابياً من خلال تقديم الصورة الصحيحة لدين الله؛ ونشر التوحيد وسائر القيم السامية والمعاني العالية التي تضمنها كتاب الله؛ وعرض السنة النبوية بذكر شمائل النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.. والواقع يشهد بعظيم أثر هذا التوظيف الإيجابي؛ في مثل: عودة كثير من المسلمين إلى جادة الحق؛ ودخول كثير من غير المسلمين الإسلام. وكل ذلك من جملة الأدلة على أن الله لا يقدّر شراً محضاً؛ بل إن الخير في مقادير الله أرجح من شرها –إن كان فيها شر-؛ وصدق الله: "لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم"، "فعسى أن تكرهو شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً".

عبدالله بن عبدالعزيز التميمي-محاضر بجامعة الإمام

هناك 6 تعليقات:

  1. مشكورين علي المدونة الرائعة
    يشرفنا زيارتكم لموقع رسائل الجوال شامل اس ام اس
    موقع متخصص في رسائل الجوال للشركات والأفراد والمدارس والجمعيات الخيرية
    http://www.shamelsms.net

    ردحذف
  2. التنظيف من الأمور التي يجب على كل ربة منزل الاهتمام بها وعدم غض النظر عنها أو إهمالها، لأن تنظيف المنزل من صحة وسلامة أفراد الأسرة بأكملها لأن إهمال التنظيف ينتج عنها الكثير من المشكلات مثل انتشار الروائح الكريهة وبالتالي انتشار الحشرات وبالتالي انتشار الجراثيم والأمراض والأوبئة ولكن مع شركة خدمات التنظيف بمكة وجدة لا داعي للقلق وفي الآتي سوف نقدم لكم أهم مميزات وخدمات الشركة.
    شركة تنظيف بمكة
    شركة تنظيف بالبخار بمكة
    شركة تنظيف مكيفات بمكة
    شركة تنظيف دكت المكيفات بمكة
    شركة تنظيف مسابح بمكة
    شركة تنظيف بجدة
    شركة تنظيف شقق بجدة
    شركة تنظيف منازل بجدة
    شركة تنظيف بالبخار بجدة
    شركة تنظيف كنب بالبخار بجدة

    ردحذف
  3. إن كنت تبحث عن شركة متميزة ولديها خبرة في أعمال نقل وتخزين الأثاث، فلا داعي لأن تبحث طويلاً لأن شركتنا واحدة من أهم وأفضل الشركات الموجودة حالياً في المملكة العربية السعودية عملاً في مجال نقل العفش وليس في هذا المجال فقط بل أنها تقدم كافة الخدمات المنزلية التي يحتاجها العملاء، لذلك بادر الآن للتعامل معنا دون تفكير فشركتنا هنا من أجل راحتكم وإرضائكم بأفضل الخدمات المقدمة بأعلى جودة وبأقل التكاليف.

    شركة نقل عفش بمكة
    شركة نقل اثاث بمكة
    شركة نقل عفش بجدة
    شركة نقل اثاث بجدة

    ردحذف
  4. جميعنا بلا استثناء نحتاج بشكل يومي من الكثير على الخدمات، ويفضل دائماً أن يتم الاعتماد على متخصصين وخبراء لكي يتم تلبية كافة هذه الخدمات بشكل تقني وباحترافية بعيداً عن أي متاعب وفي وقتنا الحالي يوجد الكثير من الشركات ولكن شركتنا من أفضل الشركات بدون أي شك وفي الآتي سوف نقدم لكم أهم خدمات شركتنا.

    شركة تنظيف بيارات بجدة
    تنظيف بيارات بمكة
    شركة تسليك مجاري بمكة
    شركة تنظيف خزانات بمكة
    شركة عزل بمكة
    شركة تنظيف بيارات بمكة
    شركة تنظيف خزانات بجدة

    ردحذف
  5. مشكلة الحشرات من المشكلات التي يعاني منها الإنسان المعاصم بالرغم من أن الحشرات كائنات دقيقة ألا أنها تسبب الكثير من المتاعب والمشاكل، ولا يتمكن أي مواطن من التعامل معها لأنها تحتاج خبرة كبيرة جداً في التعامل معها وشركة مكافحة الحشرات بمكة وجدة تقدم لكم أفضل الخدمات لمكافحة الحشرات.
    شركة مكافحة حشرات بجدة
    شركة رش مبيدات بمكة
    شركة مكافحة حشرات بمكة
    نحن نحتاج الخدمات بشكل دائم فعل سبيل المثال نحتاج إلى السباكين والنجارين وعمال الكهرباء لكي يقوم كل شخص منهما لتنفيذ الخدمة التي في مجاله على أكمل وجه، فلا يتمكن الفرد العادي مع التعامل مع مشكلة المياه أو مشكلة الكهرباء وفي هذه الحالة لا بد من التعاون مع المتخصصين وفي هذه الحالة فأن شركة خدمات بمكة توفر لعملائها الكرام أفضل العمال في كل المجالات.

    معلم نجار بمكة
    فنى نجار بمكة
    شركة مقاولات بمكة
    فني سباك بمكة
    فني كهربائي بمكة

    ردحذف