السبت، 3 أبريل 2010

النصر قادم (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 20/12/1423هـ)
الخطبة الأولى
تعيش أمة الإسلام في هذه الأيام مرحلة حرجة وفترة عصيبة تتجرع فيها ألواناً وأصنافاً من الذلة والهوان قلما مر أو يمر عليها مثلها، فأمم الكفر ترميها عن قوس واحدة؛ وكان عداؤهم قبل اليوم تلميحاً فأضحى الآن تصريحاً، ومع ذلك فإنك ترى كثيراً من المسلمين لا يزالون يستدرون عطف أعدائهم ويسترضونهم ويستجدونهم ويتوددون إليهم.
لقد تاهت أمة الإسلام في ظلمات بحر لجي من ضعف الدين والتوحيد والبعد عن هدي القرآن يغشاه موج من حب الدنيا وكراهية الموت من فوقه موج التفرق والتناحر من فوقه سحابُ التودد إلى الكافرين والاغترار بحضارتهم الساقطة؛ "ظلمات بعضها فوق بعض"، وصدق الله: "ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور".
ورغم كل تلك المصائب والكروب التي تحل بأمة الإسلام في شتى بقاع المعمورة؛ فإنها يقيناً زائلة منقشعة مهما اشتدت، ولا بد أن يتلوها نصر من الله وعز للإسلام والمسلمين؛ نسأل الله أن يعجّل به.. وهل تنشق دياجير الليل وحنادسه عن فجر باسم وضاء إلا بعد أن تشتد ظلمتها وتزداد حُلكتها؟!.
لقد مضت سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير أن هذا الدين هو المنتصر أخيراً؛ طال ليل الباطل أم قصر؛ ومهما تقدّم العدو وتطور عسكرياً وتقنياً وفكرياً؛ "فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً".
يقول الله عز اسمه: "يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"، ويقول جل شأنه: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين* إنهم لهم المنصورون* وإن جندنا لهم الغالبون".
وعن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والنصر والتمكين في الأرض" رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه الألباني.
وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" رواه مسلم.
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها" رواه مسلم.
وعن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا ووبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل به الكفر" رواه أحمد وصححه الألباني.
فينبغي للعبد المسلم في خضم هذه الأحداث المدلهمة والتداعيات الخطيرة أن يثق بوعد الله بالنصر "وما النصر إلا من عند الله"، وعليه أن ينأى بنفسه عن مستنقعات اليأس والقنوط؛ فإن نصر الله قادم ولو كره الكافرون: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب"، فلما كان الفرج عند الشدة؛ وكان النصر بقدر الشدة؛ وكان الأمر كلما ضاق اتسع؛ قال الله: "ألا إن نصر الله قريب"؛ فيجيء الفرج من الله؛ وتنقلب المحنة منحة، وتتبدل المشقات راحات؛ ويتنزل النصر فينهزم الأعداء؛ ويشفى ما في القلوب من الداء.
ويقول الله سبحانه: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء".
وفي حديث أبي رزين رضي الله عنه: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عجب ربنا من قنوط عباده وقُرب غِيَره –يعني أنه قريب التغيير؛ يغير الحال إلى حال أخرى بقوله (كن)- ينظر إليكم أزِلين قنطين؛ فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب" رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.
فعلى العبد أن يحسن ظنه بربه؛ ويعلمَ أن: "النصر مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً".
إذا اشتملت على اليأس القلوب وضاق لما به الصدر الرحيب
وأوطأت المكاره وأطمأنت وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضر وجهاً ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منك غوث يمن به اللطيف المستجيب
كذاك الحادثات إذا تناهت فموصول بها الفرج القريب
ومهما تلاحقت الخطوب وتتابعت فإن نصر الله قريب؛ وكيد الشيطان ضعيف؛ والعاقبة لجند الله: "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" وقد كتب الله: "لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز".
وحسبك –يا عبدالله- من هذه المحن التي تحل بالمسلمين نعمة؛ تمحيص الذنوب؛ وفضح عدوهم وظهور صورته الحقيقية لهم خاصة أمام المنخدعين به اللاهثين وراءه: "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة".
لقد ظهر زيف شعارات أعداء الدين التي ينادون فيها بما يسمونه الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فها "قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر".
بارك الله لي ولكم..



الخطبة الثانية
إن كلمة الذين كفروا السفلى و"كلمة الله هي العليا"، والله سبحانه ناصر دينه وأولياءه؛ وهازم أعداءه أولياء الشيطان..
عباد الله.. لقد قضى الله أن ذلكم النصر سيتحقق على أيدي أوليائه المتقين وحزبه المفلحين؛ المؤمنين الصادقين؛ "الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه".فهلاّ اجتهدنا في أن نكون منهم؟ "والله يؤيد بنصره من يشاء".
فهنيئاً لمن اختاره الله واصطفاه ليكون جندياً من جنود الدين الذين يجعل الله نصرة دينه على أيديهم؛ وإن لم يكن بيننا من هو كذلك؛ فليجتهد المرء أن يجعل في بنيه وذريته من يشرفه الله بذلك الشرف؛ "وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".
عباد الله.. لقد أخبر الله تعالى في غير ما موضع من كتابه أنه ينصر من نصره ونصر دينه، يقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، ويقول عز اسمه: "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز"..
ونصرة دين الله تتحقق من خلال قول الله تعالى: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" وقوله تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً"
فمن جمع تلك الخصال وحصّلها نصر دين الله؛ والله قد وعد –والله لا يخلف الميعاد- أن ينصر من نصر الدين، فـ"يا ليت قومي يعلمون".إذا صدق العبيد ربهم وامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه ثم سألوه النصر واستغاثوه وطلبوا منه العون والمدد والتأييد فإن النصر يتنزل عليهم من عنده "وهو خير الناصرين"؛ ويمدهم سبحانه بجنوده التي لا يعلمها إلا هو؛ وحينئذ فلن يقف أمام جند الله كل قوى الباطل مهما بلغ عددها وعُددها؛ وستتهاوى أمام التأييد الإلهي كل الأرقام الفلكية والحسابات الضوئية في رصيد القوة الكافرة: "إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده"..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق