السبت، 3 أبريل 2010

دروس من الهجرة (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 4/1/1424هـ)
الخطبة الأولى
إن ما أصاب أمة الإسلام في هذه الأيام في شتى بقاع الدنيا من الضعف والذل والهوان؛ وما تمر به من الضيق والكرب والشدة؛ إنما أصابها ذلك بسبب ذنوبها وبُعدها عن مصدر عزتها ومبعث قوتها ومنهاج حياتها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
إنك حين تنظر إلى كثير من بلاد المسلمين تكاد ألا تجد الإسلام فيها إلا اسماً فقط؛ وتوشك ألا ترى فيها من مظاهر الإسلام إلا المساجد؛ وإلا فحياة أهلها وأنظمتهم السياسية والاجتماعية مصبوغة بصبغة حياة الكفار؛ ليس فيها من هدى الإسلام ونور الوحي شيء..
لقد بلغت هذه الأمة ذروة المجد والعز ونالت رتبة السيادة والقيادة وأذعنت لها شعوب الأرض حين استمسكت بدينها وتأست بنبيها صلى الله عليه وسلم، لكن لما ابتعدت عن ذلك النور وأدارت له ظهرها تخبطت في ظُلَمِ الشركيات والبدع والتقليد الأعمى؛ فهوت في وادٍ سحيق من الذلة والمهانة، وقنعت بالتبعية والمحاكاة، وصارت محكومة بعد أن كانت حاكمة..
ويح العروبة كان الكون مسرحها فأصبحت تتوارى في زواياه
كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه
ولئن كانت أمة الإسلام تتمنى أن تعود إلى سالف مجدها كما كانت؛ فإن لزاماً عليها أن تفعل كما كانت تفعل؛ ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها..
إن أول هذه الأمة قد صلح لمّا كان ينهل من المنهل النبوي ويرد المعين المحمدي؛ فلا يُقدم على أمر أو يحجم عنه إلا وأسوته في صنيعه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.
لقد كانت سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهديه صورة حية متمثلة أمامهم يتأسون بها ويصدرون عنها، فكانوا مسددين ملهمين موفقين كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لكأنما الوحي كان يتنزل عليهم.
عباد الله.. إن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مليئة بالدروس والعبر التي تغني الناس في تسيير معاشهم وإصلاح معادهم؛ وإن صفحة مضيئة من تلك السيرة؛ وكل صفحاتها مضيء؛ لكنز في بابها فلا تحتاج إلى غيرها.
عباد الله.. إننا نعيش في هذه الأيام ذكرى مجيدة في تاريخ الإسلام؛ ومرحلة جديدة في مجال الدعوة الإسلامية؛ كانت هي الأكثر تأثيراً في سير الدعوة وانتشارها؛ إنها ذكرى الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ولعلنا نقف مع هذه الذكرى وقفات عجلة نستلهم منها فقط بعض ما يناسب حال المسلمين هذه الأيام مما يكون فيه صلاح أمرهم وحسن عاقبتهم..
الوقفة الأولى: التضحية وبذل الغالي والنفيس واقتحام المخاطر والمهالك خدمة لهذا الدين.. لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وهي أحب البقاع إليه؛ وهي مولده ومرابع صباه ومحضن شبابه وقوته وبها بناته؛ هاجر منها في سبيل الله ولنشر دين الله؛ كان يقول وهي تغيب عن ناظريه ويوليها ظهره متوجهاً إلى المدينة: "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" رواه الترمذي وصححه الألباني.
وصورة أخرى من صور التضحية لأبي بكر رضي الله عنه؛ وما ضحى للإسلام أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ضحى أبو بكر رضي الله عنه، فهاهو يخرج في الهجرة بكل ماله؛ ويوظف أهله في خدمة الدين فينيط بأسماء نقل الطعام؛ وبولده عبدالله نقل الأخبار؛ كل ذلك نصرةً للإسلام. وانظر إليه وهو يسير ساعة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وساعة خلفه؛ فيسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن السبب فيقول: يا رسول الله، أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي أمامك. فيقول له الرسول صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر، لو كان شيء أحببت أن تكون لك دوني؟" فيقول: نعم، والذي بعثك بالحق ما كان لتكون من ملمة إلا أحببت أن تكون لي دونك، ثم يصلان إلى الغار فيستوقف الصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستبرئ الغار؛ فإن يكن فيه شيء يكن في أبي بكر، وما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الغار حتى استبرأه أبو بكر.
وصورة من صور التضحية بطلها الفتى علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ حين كادت أسياف المشركين تمزق جسده لما نام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة.
وهكذا يجب على أبناء الأمة أن يضحوا بأنفسهم وأهليهم وأموالهم ويبذلوا كل ذلك رخيصاً فداء للدين وإعلاء لكلمة الله.
الوقفة الثانية: الثقة بالله والتوكل عليه مع الأخذ بالأسباب.. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين وأعظم الخلق ثقة برب العالمين؛ يتجلى ذلك أعظم ما يتجلى في حادثة الهجرة.. فحينما طارده المشركون وصلوا من خلال تتبع آثاره إلى باب الغار؛ غار ثور؛ حتى سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق أصواتهم، فأشفق الصديق وأقبل عليه الهم والخوف والحزن، وقال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لأبصرنا، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الواثق بنصر ربه: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين؛ الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا".
الله أكبر.. ما أعظمها من كلمة تملئ ثقة بوعد الله تنطلق من الفم الطاهر فتبعث في نفس الصديق الدفء والراحة والطمأنينة..
ومع كل تلك الثقة والتوكل على الله؛ فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الأسباب التي شرعها الله تعالى؛ ولا تنافي بين الأمرين. لقد كان أكمل الناس توكلاً؛ وأكمل الناس أخذاً بالأسباب، ومن أمثلة تلك الأسباب: أنه خرج وصاحبه من طريق الجنوب باتجاه اليمن تمويهاً على المشركين لأن أنظارهم ستتجه إلى الشمال جهة المدينة، واستأجرا دليلاً ماهراً عارفاً بالطريق، واختبئا في الغار ثلاثة أيام حتى يخف الطلب عنهما..
والأمة الإسلامية الآن –وللأسف الشديد- تفتقد كلا الأمرين؛ تفتقد الثقة الكاملة بنصر الله، وتفتقد الأخذ بالأسباب التي تحقق ذلك، وإن يوجد أحدهما في مسلم لا تكاد تجد الآخر معه، فمتى يفيق المسلمون؟!.
بارك الله لي ولكم.



الخطبة الثانية
الوقفة الثالثة: لقد كان الأعداء وما يزالون يصدق عليهم قول الله تعالى: "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون" فهم يصدون عن سبيل الله بكل ما أوتوا. "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين".
فهم في حادثة الهجرة يحاولون إعاقة الرسول عن السفر فيعزمون على قتله؛ ولما نجاه الله منهم؛ خرجوا في طلبه والبحث عنه، ولم يكتفوا بذلك بل وضعوا الجوائز العظيمة لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه حيين أو ميتين..
وهكذا الكفار حتى في زماننا هذا، وانظر إليهم يجندون كل تلك الطاقات ويوظفون جميع الإمكانيات للقضاء على المسلمين أو على الأقل لمسح هويتهم الإسلامية من خلال توجيه الأفكار الهدامة والمعتقدات الباطلة أو استعمار بلادهم ونهب ثرواتهم والاستيلاء على خيراتهم؛ وكل ذلك في سبيل الباطل والصد عن سبيل الله؛ فهل يعي المسلمون هذا الدرس ويفعلون ذلك في سبيل الحق؟!..
الوقفة الرابعة: أن الله ينصر دينه ويؤيد أهله بالمعجزات والكرامات، ومهما بلغوا من القلة في العَدد أو العُدد؛ ومهما كاد الأعداء ويكيدون "فإن حزب الله هم الغالبون".
فها هو الرسول وصاحبه يفِرّان من مكة؛ والمشركون يطاردونهما؛ وبعد ثماني سنين يعود الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً مظفراً..
وخلال الهجرة يؤيد الله رسوله بالمعجزات.. انظروا إليه وهو يخرج من بيته يحيط به المشركون فيحثي على رؤوسهم التراب ويعمي الله عنه أبصارهم فلا يرونه: "وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون".
ويخرج –بأبي هو وأمي- وصاحبه من الغار فيسيران في طريق صحراوية مشمسة؛ وتحين ساعة المقيل؛ فيرفع الله لهما صخرة كبيرة لها ظل؛ فينزلان عندها ويستظلان بظلها..
ثم يمضيان مسددين تحوطهما عناية الله فيمران بخيمة أم معبد الخزاعية؛ فيسألانها إن كان عندها من طعام، وتعتذر بالجدب.. فينظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة قرب الخيمة ويسألها عنها، فتقول: شاة خلّفها الجهد عن الغنم. فيقول: "هل بها من لبن؟" فتقول: هي أجهد من ذلك.. فيستأذنها في حلبها فتأذن له قائلة: إن رأيت بها حلباً فاحلبها، فيمسح بيده الشريفة ضرعها ويسمي الله ويدعو فتدر الشاة ويمتلئ ضرعها، فيدعو بإناء فيحلب فيه ويسقي المرأة حتى تروى، ثم يحلب فيشرب هو وصاحبه حتى يرويان، ثم يحلب فيملأ الإناء لها ثم يرحلان.
الوقفة الخامسة: أهمية وحدة المسلمين، وضرورة اجتماع صفهم وتوحيد كلمتهم، ويتضح هذا جلياً في آخر فصول الهجرة، حيث بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم في أول ما بدأ حين وصل المدينة بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ لقناعته بأهمية اتحادهم في انتصار الدين.
ولقد برزت أخوة الإسلام وآثار الإيمان بين المهاجرين والأنصار عقيدة وسلوكاً، أخوة تسامت فوقها كل الأغراض والأهداف، وكانت برهاناً صادقاً على العقيدة الصافية الخالصة.. وبدون رباط العقيدة لا يتم تآخٍ ولا تأتلف قلوب، وطلب ذلك من غير هذا الطريق وهم وسراب..
إن المسلمين ما هانوا أفراداً وأمماً إلا حين ضعفت أواصر الأخوة بينهم وتنكر بعضهم لبعض؛ بل لعله أن يُنتقص أحدهم أمام أخيه فلا ينتصر له..فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين؛ وأن يرفع الضر والشدة عنهم..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق