السبت، 3 أبريل 2010

الزلازل (خطبة جمعة)

خطبة جمعة ألقيت في 10/11/1424هـ)
الخطبة الأولى
لقد أجرى الله أمور عباده منذ أن خلقهم إلى أن يقبضهم على التقلب بين شدة ورخاء ورغد وبلاء وأخذ وعطاء.
فسبحانه من إله علم عواقب الأمور، وصرّف الدهور، فمنع وأعطى، ومنح وامتحن، فجعل عباده متقلبين بين خير وشر ونفع وضر، ولم يجعل لهم في وقت الرخاء أحسن من الشكر، ولا في أيام المحنة والبلاء أنجع من الصبر، فطوبى لمن وفق في الحالين للقيام بالواجبين، فشكر عند السراء، وصبر عند الضراء، وابتهل إلى الله عند كلا الحالين بالتضرع والدعاء.
عباد الله، إن الله لا يخلق شراً محضاً، فكم من شر في نظر الناس، يحمل في طياته خيراً كثيراً، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
فقد يبتلي الله عباده؛ لتستيقظ النفوس الغافلة، ولتلين القلوب القاسية، ولتدمع العيون الجامدة.
وإن من ذلك أن يُهلِك من حولهم؛ لتحصل لهم بذلك العظة والعبرة، قال تعالى: "ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون" لعلهم يستيقظون من غفلتهم، لعلهم يراجعون أنفسهم.
وإن الله ليمسهم بشيء من التضييق لئلا يتمادوا في الطغيان ويغرقوا في العصيان: "فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون" فإن لم يرجعوا عن غيهم ويتوبوا إلى الله من إعراضهم عن أوامر الله، زاد لهم الله في النعيم وجعلهم يتقلبون في النعيم حتى تزيد غفلتهم وإعراضهم، فيأخذهم على غِرَّة.
روى الإمام أحمد بسند صحيح عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج"، ثم تلا قوله الله تعالى: "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون* فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين".
يأخذهم على غرة حتى يكون ذلك أشد ما يكون عليهم: "أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون"، "أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون* أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين"، "أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون* أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون* أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون".
عباد الله، وإن من أعظم ما أنعم الله به علينا، أن مكّننا من هذه الأرض، نعيش على ظهرها، ونمشي في مناكبها نأكل من رزق الله، وندفن في باطنها موتانا، قال الله ممتناً على عباده: "أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً *أَحْيَاء وَأَمْوٰتاً" وقال: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" وقال: "مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ"، "وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ".
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "تأمل خلق الأرض على ما هي عليه حين خلقها واقفة ساكنة؛ لتكون مهاداً ومستقراً للحيوان والنبات والأمتعة، ويتمكن الحيوان والإنسان من السعي عليها في مآربهم والجلوس لراحتهم والنوم لهدوئهم والتمكن من أعمالهم. ولو كانت رجراجة متكفئة لم يستطيعوا على ظهرها قراراً ولا هدوءاً، ولا يثبت لهم عليها بناء، ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة، وكيف يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم؟ واعتبر بما يصيبهم من الزلال على قلة وقتها، كيف تضطرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها؟ وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم". وقد يُحدث الله فيها الزلازل العظام؛ ليحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة والإقلاع عن معاصيه والتضرع إليه والندم"اهـ.
وقد زلزلت المدينة في عهد عمر بن الخطاب، فخطبهم ووعظهم وقال: "لئن عادت لا أساكنكم فيها".
وقال كعب رضي الله عنه: إنما تزلزل الأرض إذا عُمل فيها بالمعاصي فترعد خوفًا من الرب جل جلاله أن يطلع عليها.
وقال بعض السلف لما زلزلت الأرض: إن ربكم يستعتبكم.
عباد الله، لقد كثرت الزلازل المروِّعة التي دمرت الإنسان والعمران، وقد تتابع وقوع ذلك في سنين متقاربة، حتى كان آخرها هذا المدمر في بلاد إيران الذي أهلك الحرث والنسل وألحق الخراب بالدور والمساكن والمرافق، وكانت آخر الإحصائيات أكثر من خمسين ألف قتيل، ناهيك عن أرقام الجرحى والمصابين والمشردين وقدر الخسائر والأضرار التي لحقت بالمنشآت والمباني. وكل ذلك كان في لحظات قليلة.
إنه جندي من جنود الله، وعذاب الله يسلطه على من يشاء، لا يستطيع المخلوق الضعيف أن يقف أمامه مهما بلغت قوته.
ولاشك أن هذه عقوبات على ما يرتكبه العباد من الكفر والفساد، وفيها لمن حولهم عبر وعظات لا يدركها إلا أولو الألباب، وهي تظهر قدرة الله الباهرة، حيث يأذن لهذه الأرض أن تتحرك لبضع ثوان، فينتج عن ذلك هذا الدمار وهذا الهلاك وهذا الرعب.
ولقد جاءت النصوص بأن ذلك يكثر في آخر الزمان وأنه من عذاب الله لهذه الأمة، جاء في الحديث الذي رواه الإمامان أحمد والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويتقارب الزمان، وتكثر الزلازل، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج"، قيل: الهرج؟ -أي ما هو؟- قال: "القتل القتل"، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن عذابهذه الأمة في الدنيا: "الفتن والزلازل والقتل". أخرجه أبو داود.
عباد الله، وإن مما يؤسف له ويدعو إلى العجب ما درجت عليه وسائل الإعلام من إظهار هذه الكوارث على أنها ظواهر طبيعية وأن سبها تصدع في باطن الأرض ضعفت القشرة عن تحمّله فترتب من جراء ذلك حدوث تلك الهزات المزلزلة.. والسؤال الذي يوجه إلى هؤلاء وأمثالهم من الذي قدّر لهذا الصدع أن يحدث؟ ومن الذي أضعف قشرة الأرض أن تتحمّله؟ أليس هو الله.
وإنما كان ذلك بسبب فشو المنكرات واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير والغفلة عن مكر الله.. لقد جاءهم الزلزال بعد هجوع الناس، جاءهم بياتاً وهم لا يشعرون، فاللهم إنا نسألك عفوك ولطفك.
ثم يأتي بعد حدوث الزلزال من يبقى يقدّر الخسائر في الأموال والممتلكات ومدى تأثير ذلك على عجلة الاقتصاد، ويُنسى قول الله: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون"، ويُغفل عن قول الله: "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم"، ويُعرض عن قول الله: "من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون".
إن حال من ينكر أن هذه الحوادث بسبب الذنوب كحال من ذكرهم الله في كتابه العزيز، فإذا أصابهم الكرب والضر قالوا: "قد مس آباءنا الضراء والسراء" فهذا أمر طَبَعِيّ لا علاقة له بذنوب العباد، فيواصلون في إعراضهم وفجورهم ويقولون: "إن هذا إلا خلق الأولين"
فاتقوا الله عباد الله، واعتبروا بما جرى حولكم، ولنتب إلى الله جميعاً، فإن الله هو التواب الرحيم، ولنتذكر قول الله تعالى: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون"
بارك الله لي ولكم





الخطبة الثانية
إن الواجب علينا أن نتقي الله تعالى ونتوب إليه من ذنوبنا، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونأخذ على أيدي سفهائنا قبل أن يحل بنا ما حل بمن حولنا، ولنعلم جميعاً أن الذي جعل غيرنا عبرة لنا قادر على أن يجعلنا عبرة لغيرنا، وأن ما وقع إنما هو من كسب الناس، قال الله تعالى: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون"، "وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير".
قال الإمام ابن باز رحمه الله: "فالواجب عند الزلازل وغيرها من الآيات والكسوف والرياح الشديدة والفيضانات: البدار بالتوبة إلى الله سبحانه والضراعة إليه وسؤاله العفو والعافية والإكثار من ذكره واستغفاره، كما قال صلى الله عليه وسلم عند الكسوف: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره".
ويستحب أيضاً رحمة الفقراء والمساكين والصدقة عليهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ارحموا ترحموا. الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من لا يرحم لا يُرحم". وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يكتب إلى أمرائه عند وجود الزلزلة أن يتصدقوا.
ومن أسباب العافية والسلامة من كل سوء: مبادرة ولاة الأمور بالأخذ على أيدي السفهاء وإلزامهم بالحق وتحكيم شرع الله فيهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..." إلى آخر ما قال رحمه الله.
عباد الله.. وإن مما يشكل على بعض الناس أنه قد يكون العذاب شاملاً لبقعة فيها قوم من الصالحين المنكرين على قومهم، فيقال: لا إشكال في ذلك، فإن هلكوا معهم فهو موعد آجالهم ثم يبعثون على نياتهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم وآخرهم" فقالت عائشة: يا رسول الله، كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: "يُخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم" متفق عليه.اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا والنعم التي أنعمت بها علينا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق