السبت، 3 أبريل 2010

مقتل أحمد ياسين (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 1/2/1425هـ)
الخطبة الأولى
ما أجمل أن ينال الإنسان ما تمنى، يبقى دهرًا طويلاً ـ ربما سنوات ـ يسعى لتحقيق مأربه وتحصيل هدفه فيصل مبتغاه ويربح مسعاه.
وتلك كانت حال شيخ المجاهدين في فلسطين الشيخ أحمد ياسين، لقد نال الأمنية التي تمناها، ووصل غاية الطريق التي سار فيها، ونال الموت شهادة أشهى ما يكون الموت[1]، وحاله في هذه الشهادة أشبه شيء بحال عمر بن الخطاب الذي دعا في شهر وفاته الذي طُعِن فيه: (اللهم قد كبرت سني، وضعفت قوتي، فارزقني شهادة في سبيلك، واجعلها في بلد نبيك)، فنالها عمر كما تمناها. وهكذا الشيخ أحمد ياسين رُزِق الشهادة على كبر سنه وضعف قوته، وبجوار الأرض المقدسة التي باركها الله. لقي الله وهو في ذمته، ((فمن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله))، وخرج من المسجد كالمغتسل من النهر الجاري، فهل يبقى من دَرَنه شيء؟! وفاضت روحه، ورفعت شهادته، وتم جهاده في يوم الاثنين الذي تُعرَض فيه الأعمال على الله.
إن كل الناس يموتون، لكن فرق بين موت الأبطال وموت الجبناء، وفضل الله يؤتيه من يشاء. لقد مات الشيخ المجاهدُ أحمد ياسين عظيمًا مثلما عاش كبيرًا، ولم يكن هيّابًا للموت، بل كان الموت وكانت الشهادة أغلى أمانيه.
مات البطل المجاهد ثابتًا على المبدأ الحق، صامدًا في وجه المخطط الصهيوني، مبتهجًا بكتائب الجهاد التي سقى شجرتها، وهي اليوم توقع الخسائر وتلقي الرعب داخل الأراضي المحتلة بالصهاينة المحتلين. ونزف دمه الطاهر على الأرض، لكنه مع ذلك حُقَنٌ في أوردة الملايين من المسلمين؛ ليظل نهرًا دَفّاقًا يدعوهم للجهاد والاستشهاد.
لقد كان الفارسُ الأعزل (مشروع شهادة)، وهو القائل في آخر لقاء معه: "نحن طلاب شهادة"، وكان رمزًا للصمود والشجاعة، وهو القائل: "التهديدات لا تهمنا"، وكان عاليَ الهمة، تجاوز حطام الدنيا وحقارتها، وصوّب همّه نحو الآخرة ونعيمها، ونرجو أن يكون الله قد حقق له ما تمنى.
لقد ساهم اليهود من حيث يشعرون أو لا يشعرون بدخول الشيخ أحمد ياسين التاريخ من أوسع أبوابه، والظنُّ، بل الأمل والرجاء أنّ قتل الشيخ ياسين ـ وبهذه الطريقة البَشِعة ـ سيبعث الحماس في قلوب طالما غفلت وتناست هذه القضية المهمة من قضايا فلسطين. وكذلك تشرق الأمة حين تحترق، وتتفجّر طاقاتها حين تُذل وتقهر، ودماء الشهداء ماءٌ لحياة الأمة وصحوتها. ومن أخافهم شيخ مُقْعد كيف يواجهون توالد النمور الساخطة تخرج من بطون المسلمات؟!
إن استشهاد الشيخ يمثل مرحلة أخرى في مسيرة جهاده، ويؤثر ذات الأثر الذي كان الشيخ يؤثره في حياته. إن الشيخ الذي قضى عمره وهو يبني في النفوس عزيمة المواجهة للعدو وقوة الصبر على المدافعة قد أعلى بناءه ذلك بروعة استشهاده.
إن شهادة الشيخ درس تربوي عميق يبين أن القوة الحقيقية في الإرادة والعزيمة والتصميم، وأن معاقًا مشلول الأطراف جعل دولة يهود تقف وجاهه، وتدخل معه معركة منازلة بالنذالة التي تليق برجس يهود. إن هذا المريض الذي لا يستطيع تحريك أطرافه استطاع تحريك شعب بأكمله وكشف الهدف الحقيقي للمواجهة، وجعل أبناء فلسطين يدخلون الجهاد من طريقه الصحيح.
لقد أعطى الشيخ درسًا في آخر لحظات حياته أن أصحاب العزائم القوية والمواجهة المتواصلة هم أصحاب الأيدي المتوضّئة والقلوب المؤمنة، وأن هؤلاء هم الذين يتذوقون لذة الجهاد، وبهجة التوق إلى الشهادة واسترواح نعيم الجنة. إن الشيخ رُزِق الشهادة عائدًا من صلاة الفجر في المسجد، فإذا كان الشوق إلى صلاة الجماعة يُخرِج شيخًا مريضًا معاقًا مستهدفًا في غَلَس الفجر ليكون وداعه للحياة بعدها، فأي دلالة يسكبها ذلك في نفوس الشباب؟! وأي معان نورانية يضيئها في جوانحهم؟! إن الذين يجيبون "حي على الجهاد" هم الذين يجيبون "حي على الصلاة".
يـا أحمدَ اليـاسيـنَ إن ودّعتنـا فلقد تركتَ الصدقَ والإيمانـا
يـا فارسَ الكرسي وجهك لم يكن إلا ربيـعـا بالْهدى مُزْدَانـا
فِي شعـر لِحيتك الكريْمة صورة للفجـر حين يبشّر الأكوانـا
قدّمت فِي الدنيا الْمُهُور وربمــا بشموخ صبرك قد عقدتَ قِرَانا
دمك الزكـي هو الينـابيـع التي تسقي الجذور وتنعش الأغصانا
رَوّيـت بستـان الإبـاء بدَفْقِـه مـا أجملَ الأنهـارَ والبستانـا
ستظل نجمًـا في سمـاء جهادنـا يـا مُقعدًا جعل العدو جبانـا
أيها المسلمون، لم يكن قتل الشيخ بصواريخ اليهود أمرًا عجبًا، فهم قتلة الأنبياء، فكيف لا يقتلون الأولياء؟! لقد توفرت في اليهود مجموعة من الرذائل الأخلاقية والمفاسد السلوكية بصورة عجيبة لا يمكن أن توجد في أمة سواهم، والعجيب أن هذا الفساد والسوء لا يتمثل في جيل يهودي واحد، ولا في مجموعة يهودية معينة، ولكنها تحققت في الإنسان اليهودي أينما كان إن صحت تسميته بالإنسان؛ لأن الإنسان مشتق من الأُنس، ولا أُنس في يهودي.
وإن تلك المفاسد الأخلاقية التي تطبّعوا بها منذ قديم الزمان أصبحت جِينات وراثية تتناقلها أجيال يهود في كل زمان ومكان، بل إذا أردت أن تعرف اليهودي على حقيقته فاستحضر في ذهنك طائفة من الأخلاق الذميمة، وهي بمجموعها تمثل الشخص اليهودي قائمًا أمام عينيك.
عباد الله، إن الحزن يعتصر القلوب ويقطعها بمقتل الشيخ، وإننا والله لا نحزن لأنه قُتِل، فهو إنما قُتل في سبيل الله، وهي الميتة التي سعى إليها منذ سلك درب العزة والكرامة درب الجهاد، ولكننا نحزن لأن الأمة فقدته حيث كان طَوْدًا من أطوادها الشامخة، ومرجعًا رئيسًا للمجاهدين في الأرض المباركة.
نسأل الله أن يكتبه في عداد الشهداء، وأن يخلف على أمة الإسلام خيرًا منه.
بارك الله لي لكم



الخطبة الثانية
لقد كانت الصواريخ التي قتلت الشيخ منبعثة من طائرات الأباتشي الأمريكية، وهي الدولة التي كانت ولا تزال تؤزّ الصهاينة في فلسطين أَزًّا، وتحمي حماهم، وتتولى كِبْر الدفاع عنهم في المحافل الدولية. وانظروا إلى تواطئها في هذه الجريمة مع حلفائها الصهاينة من خلال موقفها المخزي ـ وما أكثر مواقفها التي كذلك ـ، حيث لم تزد على الدعوة إلى ضبط النفس، بل تحدث بعضهم بأن هذا دفاع مشروع عن النفس، ثم تُتوّج هذه المؤامرة بالوقوف في وجه أي إدانة دولية من خلال الفيتو، وهي راعية السلام بزعمها. فهل جفّت دماء الشيخ أو ووري الثرى حينها حينما دعوا إلى ضبط النفس؟! ثم أي الفريقين المدافع وأيهم الغازي؟!
لقد زال القناع الذي كان يتخفى وراءه أدعياء السلام، وتجلى وجههم القبيح أمام كل من كان مُغترًّا بدعاياتهم البرّاقة الزائفة. فهل يرجو المسلمون من وراء هؤلاء خيرًا؟! وهل لا تزال أمة الإسلام قانعة بحل السلام، وهو والله استسلام؟!
إن هذه القضية بالذات من قضايا المسلمين أثبتت من خلال طول مأساتها أن الحل الوحيد هو القضاء على هذه الشرذمة الحقيرة، فالسيف ـ ولا دواء غير السيف ـ يقضي على هذا الوباء الخطير، ويطهر البلاد، بل يطهر الأرض كلها من نَتَنِه وعفنه.
وأخيرًا أيها المسلمون، إن على أمة الإسلام أن تفيق من رَقْدتها وسُباتها، فلا تنخدع بالبَهْرَجة الإعلامية التي يتفنّن فيها اليهود وأذنابهم من أرباب الإعلام العالمي، فإن هؤلاء الأوغاد يزيّفون الحقائق، ويلبّسون على العالم، فيعظّمون التوافه ويتفّهون العظائم، ويبطلون الحق ويحقون الباطل، ويجرّمون البريء ويبرّئون المجرم. وكل ذلك يريدون القضاء على الإسلام ومحاربته وتشويه صورته أمام العالمين، وليس لهم هدف سوى هذا، وإلا فبالله عليكم، لماذا يعتبرون اليهودي مؤمنًا بدينه ويمارس طقوسه الدينية بكامل الحرية إذا أطلق لحيته، وإذا أطلق المسلم لحيته عدّوه متطرفًا إرهابيًا؟! ولماذا الراهبة حين ترتدي ملابس تغطيها من قمة رأسها إلى أخمص قدميها تعتبر مؤمنة قد وهبت نفسها لخدمة الرب، وإذا لبست المسلمة نفس الحجاب صارت رجعية متخلفة؟! ولماذا إذا تفرغت المرأة عندهم لبيتها ورعاية أطفالها تعتبر امرأة عظيمة قد ضحّت بمستقبلها من أجل أسرتها، وإذا فعلت المرأة المسلمة ذلك كما أمرها ربها طالبوا بتحريرها من التخلف؟! ولماذا حين تذهب أي فتاة متحررة إلى الجامعة تستطيع أن تلبس ما تشاء من الملابس المحتشمة أو العارية، وإذا لبست المسلمة التي تذهب إلى الجامعة الحجاب منعت من الدخول بحجة مخالفة المظهر الحضاري للحرم الجامعي؟! ولماذا إذا أجرم أحدهم لا يتم ذكر دينه ولا يسمى، وإذا اتهموا مسلمًا بجريمة جرّموا دينه معه، ووضعوهما معًا في قفص الاتهام؟!أسأل الله أن يعز دينه، ويعلي كلمته، وينصر أولياءه
[1] استشهد –رحمه الله- بعد خروجه من صلاة الفجر يوم الاثنين 1/2/1425هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق