السبت، 3 أبريل 2010

انكشف القناع (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 19/2/1425هـ)
الخطبة الأولى
إنّ كل ما يجري في هذا الكون في أرضه وسمائه ويابسه ومائه ليجري بعلم الله وتقديره وحكمته البالغة. وله في ذلك سُنن ونواميس كونية لا تتبدّل ولا تتغيّر.
وإن من الواجب على كل مؤمن أن يعلم أن ما يقدّره الله في هذا الكون لا يكون شرًّا محضًا، بل لا بد أن يكون فيه خير، علمه الإنسان أو جهله، اطّلع عليه أو لم يطلع عليه بعدُ.
ومن ذلك ما يحدث الآن على أرض العراق من الحرب الشَرِسة التي تشنّها الجيوش المحتلّة المُدَجَّجَة بكافة أنواع الأسلحة ضد شعب أعزل لا تبلغ قوته المادية عُشْر مِعْشار قوتهم، بل لا مجال للمقارنة بينهما، وما نتج وينتج عن ذلك من القتلى والجرحى في صفوف إخواننا هناك.
أيها المسلمون، وإن من المِنَح التي حملتها هذه المِحْنة وضوحَ الصورة الحقيقية أكثر وأكثر لأمريكا وأذنابها، قَدِموا بزعمهم لهدف إزالة أسلحة الدمار، فجاؤوا بالدمار والبَوَار. وأقبلوا على قولهم بالحرية، فما زادوا الشعب إلا استرقاقًا واستعبادًا. إنما جاء هؤلاء لمطامع عقدية واقتصادية وسياسية ليس هذا المقام محل بيانها، ولما رأوا أن الشعب انتفض وأبى الخضوع والخنوع لهم جاسوا خلال الديار، وأهلكوا الحَرْث والنسل، ولم يرقبوا في عباد الله إلاًّ ولا ذِمّة.
لقد تكشفّت الحقائق، ولم تعد هناك أقنعة، فأمريكا التي طَبَّلت حول الإنسانية وحقوق الإنسان قُلُوب قوّاتها خَوَاء من ذلك، والدليل ما يفعلونه بالمسلمين الآن في العراق ومن قبلها أفغانستان.
نادَوا في الفَلُّوجة بترحيل النساء والأطفال والشيوخ والعجائز لئلا يصيبهم القصف العنيف، فلما نزح أولئك المستضعفون رموهم بالصواريخ والقذائف وقتلوا فيهم وجرحوا، ومنعوا كافة المعونات ـ بل حتى المواد الإسعافية ـ من دخول المدينة، ولم يسلم منهم حتى المصلّون في بيوت الله، فأي إنسانية يحملون؟! وبأي حقوق يهْتِفون؟!
ورسالة سريعة إلى أذناب أمريكا في بلاد المسلمين الذين اغترّوا بحضارتها الزائفة وقِيَمها الزائلة، وطَبّلوا وطَنْطَنُوا حولها، وأَزْكموا أنوفنا بكتاباتهم التي يدعون فيها المسلمين ليحذوا حذوها في الديمقراطية والحرية والعدالة، ألا تزالون معجبين بها وبعدالتها؟! وهل ستظلّون مُقَدّرين للحرية التي لا تعدو كونَها تمثالاً على أرضها؟! هل العدل والديمقراطية في التسلّط على بلاد المسلمين ونهب ثرواتها وخيراتها؟! وهل الحرية هي التدخل في شؤون العراق وغيره من بلاد المسلمين؟! ومنذ متى كانت لها الوصاية على العالم الإسلامي، فلا ينفذ تصرّفهم إلا بإذنها؟!
أيها المسلمون، ومن العجائب ـ والعجائبُ جَمّة ـ أنّ العالم بأسره يقف موقف المتفرّج، وكأن الشأن شأن داخلي لا يعني أحدًا، ولا يحق لأي طرف خارجي التدخل فيه، بل لم يتحرك حتى الصليب الأحمر الدولي ولا أي منظمة دولية! فأين مجلس الأمن الذي يدّعون، أم هو معني بأمن غير المسلمين؟! وأين الأمم المتحدة، أم هي خاصة بالمتحدة ضد الإسلام والمسلمين؟! وأين ذهبت الأعراف والمواثيق الدولية، أم أنّ من بنودها أن يلتزم بها المسلمون فقط دون غيرهم؟!
وإن تعجب فاعجب لما يردّده الإعلام العالمي من وصف هذا الاحتلال بالاحتلال الحلال، وهو وإن لم يصفه مَقَالاً فقد وصفه حالاً، فلم نر الإعلام العالمي استنكر هذا التدخّل غير الشرعي في هذا البلد، ولم نره اعترض ـ ولو مجرّد اعتراض ـ على سفك الدماء وإزهاق أرواح الأبرياء والتسلّط على خيرات البلد ونهب ثرواته ومُقدّراته.
أيها المسلمون، إن من سُنن الله تعالى أن الظلم والبغي لا يدوم، بل لا بد أن ينقشع ويزول، وهذا حكم عام يشمل الأفراد والملوك والأمم والدول، فكم من ظالم سُلِّط عليه من هو أقوى منه بحق أو بغير حق فصار ذليلاً عند الخلق، وكم من ملك جَبّار ظالم أذهب الله ملكه بسبب ظلمه، وكم من أمّة عَتَت وظلمت فأخذها الله وأبادها فكأنها لم تكن، وكم من دولة تجَبّرت وبغت واعتدت فأزالها الله، وبددّ ملكها، ومزّق شعبها، ومحا أثرها.
تأمّل في نصوص الكتاب والسنة تجد أن زوال كثير ممن مضوا كان بسبب الظلم، يقول الله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [الكهف:59]، وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48]، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا [النمل:52]، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].
ولقد جاوزت أمريكا الحد في الطغيان والجبروت والتكبر والظلم والبغي في الأرض بغير الحق، فاستجمعت بذلك الأسباب الموجبة للزوال والانهيار، و((إن الله ليُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يفْلِته)).
نسأل الله أن يُعجّل زوال عرشها وتبديد جيشها.
بارك الله لي ولكم




الخطبة الثانية
إن الله سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين، والمسلم لا غنى له عن ربه، فهو في حاجة دائمة إليه، وتزداد الحاجة عند الشدائد والكروب، وأزمان الفتن وضيق الحال.
وإن المتأمل في سيرة النبي وأحواله ليرى العجب منه في تعلّقه بربه واللجوء إليه والإلحاح على الله بالدعاء والطلب وعدم اليأس، مع أن دعاءه مُجَاب ورغبته محقّقة، أما عند مُدْلَهِمّات الأمور ومفارق الطُّرُق ومضايق الأحوال فإن نبينا يلجأ إلى ربه ويلح عليه في المسألة، حتى إن أصحابه رضي الله عنهم ليشفقون عليه ويرحمونه من شدة تضرعه وسؤاله.
قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9]: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ: تستجيرون به من عدوكم، وتدعونه للنصر عليهم، فَاسْتَجَابَ لَكُمْ: فأجاب دعاءكم بأني ممدكم بألف من الملائكة يُردِفُ بعضهم بعضًا، ويتلو بعضهم بعضًا"، ثم ساق بسنده عن عمر بن الخطاب أنه قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله إلى المشركين وعدتهم ونظر إلى أصحابه نيّفًا على ثلاث مائة، فاستقبل القبلة فجعل يدعو ويقول: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض))، فلم يزل كذلك حتى سقط رداؤه، وأخذه أبو بكر الصديق فوضعه عليه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: كفاك يا نبي الله ـ بأبي أنت وأمّي ـ مناشدتك ربك؛ فإنه سيُنجز لك ما وعدك، فأنزل الله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ.
وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال يوم بدر: ((اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعبد))، فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: ((سيُهزم الجمعُ ويُولّون الدُّبُر)).
وقد أخبرنا القرآن الكريم أن الدعاء عند مواجهة العدو من أمضى الأسلحة وأقواها، قال تعالى عن عباده المجاهدين: وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران:147]، وقال تعالى مبينًا للمسلمين أن تفويض الأمور إليه سبحانه يفيد في وقت الأزمات وتحزّب الأحزاب: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:173-175]، وقال تعالى عن جُند طالوت حين رأوا جُند جالوت وفَرّ منهم مَن فَرّ: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ [البقرة:250، 251].
وهكذا كل مسلم تنزل به نازلة أو تحلّ به أو بإخوانه نَكبة يلجأ إلى ربه بالدعاء والضَّرَاعة، في الصحيحين كان رسول الله يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبّر ويرفع رأسه: ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد))، ثم يقول وهو قائم: ((اللهم أنج الوليد بن الوليد وسَلمة بن هشام وعَيّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وَطْأتَك على مُضَر، واجعلها عليهم كَسِني يوسف، اللهم العن لحْيان ورِعْلاً وذَكْوان وعُصَيّة عَصَت الله ورسوله)).اللهم إنا نسألك أن تعزّ الإسلام وتنصر المسلمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق