السبت، 3 أبريل 2010

عاقبة الظالمين (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 11/1/1424هـ)
الخطبة الأولى
فإن الله سبحانه وتعالى هو المتصرف في هذا الكون المدبر لأموره وهو العزيز الحكيم؛ بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير؛ فيعطي سبحانه ويمنع، ويخفض ويرفع، يحيي ويميت، ويبقي ويبيد، "وربك يخلق ما يشاء ويختار"..
ولقد كان من حكمته جل وعلا أن أجرى في هذا الكون سنناً، فهذه السنن الكونية لا تتبدل ولا تتغير؛ يجري حكمها على الخلق أجمعين؛ الأولين والآخرين؛ المسلمين والكافرين؛ "فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً".
فمن هذه السنن الكونية: أن من عاين العذاب لا تقبل توبته؛ يقول الله جل شأنه: "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين* فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون"..
فأخبر الله عن المكذبين أنهم لما رأوا وقوع العذاب بهم وأنه لا مفر لهم منه؛ قالوا: "آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين" ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة.. وهذا كما قال فرعون: "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين" قال الله: "آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين"..
ومن سنن الله الكونية: أنه ما تقابل الكفر والإيمان في موطن فيصلٍ غلا نصر الله الإيمان على الكفر فرفع الحق ووضع الباطل؛ يقول الله عز اسمه: "ولو قاتلكم الذين كفروا لولّوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً* سنة الله التي قد خلت في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلاً".
ومن السنن أيضاً: أن الله يزيد من يشكره: "لئن شكرتم لأزيدنكم"؛ وأنه لا يبدّل حال الناس من النعمة إلى النقمة حتى يكفروا نعمته ولا يشكروها: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ولا ينقلهم من الشقاء إلى النعيم حتى يستقيموا على طاعته: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
ومن السنن أيضاً: أن الكافرين إذا استمروا في تكذيب أنبيائهم وعنادهم عاجلهم الله بالعقوبة والعذاب: "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين"..
عباد الله.. ومن سنن الله تعالى أن الظلم والبغي لا يدوم؛ بل لا بد أن ينقشع ويزول، وهذا حكم عام يشمل الأفراد والملوك، والأمم والدول. فكم من ظالم سُلِّط عليه من هو أقوى منه بحق أو بغير حق فصار ذليلاً عند الخلق؟! وكم من ملك جبار ظالم أذهب الله ملكه بسبب ظلمه؟! وكم من أمة عتت وظلمت فأخذها الله وأبادها فكأنها لم تكن؟! وكم من دولة تجبرت وبغت واعتدت فأزالها الله وبددّ ملكها ومزّق شعبها ومحا أثرها؟!.
وإن أبشع أنواع الظلم وأقبح صوره وأشدها نكراً وأعظمها خطراً البغيُ في الأرض بغير الحق، والاستطالة على الخلق، في دينهم أو أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم أو عقولهم، بمختلف سبل العدوان، التي يتفق أولو الألباب على استعظامها والنفرة منها والحذر من التردي فيها والتلوث بأرجاسها.
ولعظم البغي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صاحبه جدير بتعجيل العقوبة له في الدنيا؛ فقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة رضي الله عنه: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الألباني.
وعاجل هذه العقوبة أن على الباغي تدور الدوائر، فإذا هو يبوء بالخزي ويتجرّع مرارة الهزيمة وينقلب خاسئاً، لم يبلغ ما أراد، ولم يظفر بما رجا.
ولكم -عباد الله- في سِيَر الماضين وأنباء من قد سبق من الذين بغوا في الأرض فأكثروا فيها الفساد، لكم فيهم أوضح الدلائل وأصدق البراهين وأظهر الآيات.
فماذا كان مصير الملك المتجبر نمرود الذي بغى وطغى وتجبر وعتا وادعى لنفسه الربوبية؛ لقد أهلكه الله ببعوضة دخلت في أنفه وما خرجت حتى مات.
وماذا كانت عاقبة بغي فرعون حين: "علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم"، لقد أخذه الله نكال الآخرة والأولى.
وكيف كانت عاقبة بغي قارون الذي بغى على قومه حين آتاه الله من الكنوز ما تنوء بثقله العصبة أولو القوة؟! خسف الله به وبداره الأرض: "فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين".
وإلى أي منتهى كان أمر أبي جهل بن هشام وأمية بن خلف والملأ من قومهما الذين بغوا في الأرض فاشتدت وطأتهم على المستضعفين من المؤمنين الأولين، فساموهم سوء العذاب وأليم النكال؟! ألم تكن بهلاك الظالمين وقطع دابرهم أجمعين، وبالنصر والغلبة والتمكين للمؤمنين الصادقين الصابرين؟!
وكذلك كانت عاقبة كل من بغى في الأرض، وعلا فيها بغير الحق، واستضعف أهلها فعلى الباغي تدور الدوائر مهما تجبر واستكبر، وغرته قوته، وأسكرته صولته.
أخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد"..
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية
أما عقوبة البغي والظلم الشنيعة التي تكون على مستوى الدول والأمم أيضاً.. فحسبك أنه ما فشا في دولة أو أمة إلا آذنها بالخراب والدمار.. يقول الله تعالى: "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا"، ويقول: "وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير".
روي أن ابن عباس رضي الله عنهما كان جالساً فقال كعب الأحبار: إني لا أجد في كتاب الله المنزل أن الظلم يخرب الديار، فقال ابن عباس: أنا أوجدكه في القرآن، قال تعالى: "فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا".
قال ابن خلدون رحمه الله: "واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه؛ وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري…ثم قال: فلما كان الظلم كما رأيت مؤذنا بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران كانت حكمة الخطر فيه موجودة فكان تحريمه مهماً وأدلته من القرآن والسنة كثيرة"اهـ.
لقد بلغت عاد الغاية في الجبروت والطغيان وقالوا: "من أشد من قوة"، قال الله: "أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة"، فكانت عاقبتهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات؛ "ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم"، سلطها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام فتركتهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية: "وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة"..
وأما ثمود فاستحبوا العمى على الهدى وعقروا الناقة "وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين* فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين"، "كأن لم يغنوا فيها".
وهكذا الحال في الأمم التي أبادها الله والدول التي أزالها الله، وسنة الله ماضية حتى تقوم الساعة.. وإن ما يفعله في هذه الأيام أبناء صهيون وعباد الصليب من الطغيان والبغي والظلم الذي بلغ أقصى ما يبلغ؛ تحت شعار محاربة الإرهاب أو نزع السلاح؛ إن ما يفعلونه الآن لهو بداية النهاية –بإذن الله-، وهو إيذان –إن شاء الله- بخراب ديارهم وانهيار دولهم وتمزق شعوبهم؛ نسأل الله أن يعجل بذلك، وأن يقر به أعيننا، وما ذلك على الله بعزيز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق