السبت، 3 أبريل 2010

نعم..كارثة جدة سببها الذنوب (مقالة)

(نشر في 10/1/1431هـ)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد.
فقد تابع الجميع بحسرة وألم أحداث كارثة جدة المفجعة وآثارها المؤلمة الموجعة. وإن العبد المؤمن ليعلم أن كل ما يحدث في هذا الكون فإنما يحدث بقدر الله تعالى؛ وأن ما شاءه الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويعتقد جازماً أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.
كما أن المؤمن يعلم أن الله لا يقدّر شرّاً محضاً: "لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم"، لكنّ الله قد يُطْلِع عبده على شيء من ذلك الخير الذي يجعله في قَدَرِه؛ وربما أخفاه عنه فلم يعلم بشيء منه.
والمتأمل في هذه القضاء الإلهي يلتمس طرفاً من ذلك الخير؛ منه: أن يتجلى إيمان المؤمنين من أهل جدة ويختار الله منهم شهداء: "ليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء"؛ "والغريق شهيد"، وليمحص الله ذنوب الصابرين من عباده: "ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم". ومن الخير الذي لا يخفى: الأمر الملكي بمحاسبة المقصرين الذين ضيّعوا الأمانة المناطة بهم؛ لتنكشف سوأتهم وليرتدع غيرهم؛ وليعلموا أن رعاية المصالح العامة مسؤولية؛ ومن قصّر فيها أو فرّط فهو عرضة للمحاسبة والمساءلة.
ومما ينبغي للعبد المؤمن أن يقف عنده: أن يتذكّر أن هذا القدر المقدور هو بسبب الذنوب؛ فيراجع نفسه ويصحح مساره؛ قال الله سبحانه: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم"؛ وعليه أن يتذكّر أن ما يستره الله ويعفو عنه أكثر؛ ولذا كان تمام الآية: "ويعفو عن كثير".
لكن المؤسف.. أن يظهر بعض ناقصي العقل والدين من كتّاب المسلمين فيستهجنوا الحديث عن هذه السنة الكونية وينكروا أن يكون هذا الحادث الأليم بسبب الذنوب؛ وهذا ناشئ عن ضحالة في الفكر وقلة في العقل وضعف في الدين؛ وإن أحسنّا بهم الظن فهو نتيجة جهل وقلة علم.
والناظر لمضمون تلك الكتابات يجدها تحصر المفهوم في أن هذا الحادث المفجع هو بذنوب الموتى والمصابين فقط؛ وأنهم فسّاق وفجرة يستحقون ما أصابهم عقوبة لهم على ذنوبهم؛ وهذا تفكير ضيق –مقصود أو غير مقصود-، بل وأدهى من ذلك أن تشم من بعض تلك الكتابات رائحة رفض هذه السنة الكونية وعدم القبول لها. وهذا نذير خطر عظيم.
أيها القارئ الكريم..إن كل بلاء ومصاب يصيب العباد فهو بسبب ذنوبهم؛ كما هو صريح في الآية المتقدمة؛ وفي قول الله تعالى: "من يعمل سوءاً يجز به".
وما أصاب جدة ليس مصاباً لأهلها وحدهم؛ بل هو مصابٌ لنا جميعاً؛ بل ومصابٌ للمسلمين كلهم لأن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
وإذا تقرر أن هذا المصاب مصابنا جميعاً فهو بذنوبنا جميعاً وليس بذنوب أهل جدة وحدهم؛ أو بذنوب موتاهم والمصابين منهم فقط؛ إذ إن الله تعالى قد قال: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم"، وهذا السياق يفيد العموم؛ لأن كلمة: "مصيبة" نكرة في سياق الشرط فتعمّ، ويؤكد هذا العموم دخول (من) الزائدة، وهذا يعني أن أي مصيبة تصيبنا –أيّاً كان حجمها؛ كبيراً أو صغيراً- فهو بسبب ذنوبنا وخطايانا.
أَوَلَسْنا –نحن وأهل جدة- مقصرين في القيام بما أوجب الله علينا على الوجه الذي أمرنا به؟!
من ذا يزكّي نفسه فيدّعي أنه قد قام بواجب العبودية على أكمل وجه؟
أم من ذا يزعم أنه قد استكمل شكر الله على نعمه كلها؛ فلم يعدّ حق الشكر عليه واجباً؟
إن من أعظم الذنوب التي ينبغي للعباد أن يحذروا عاقبتها: تضييع الأمانة.. وأيّ أمانة تضيّع أعظم من تلك المليارات التي تُرصد خلال سنوات فلا تجد لها أثراً ولا خبراً؟!
لقد ثبت في الصحيح أن رجلاً سأل النبي e عن الساعة؛ فقال له النبي e: "إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة"، قال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة".
وثبت أن رجلاً كان مع النبي e يوم خيبر فلما انتهى الفتح وغنم المسلمون ما غنموا؛ جاء هذا الرجل ليحطّ رحل النبي e أثناء نزولهم في الطريق عائدين إلى المدينة؛ فأصابه سهم غائر فقتله؛ فكبّر الناس وقالوا: هنيئاً له الشهادة. فقال النبي e: "بل والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً"؛ فجاء رجل حين سمع ذلك من النبي e بشراك أو بشراكين فقال: هذا شيء كنت أصبته، فقال رسول الله e: "شراك أو شراكان من نار".
وفي صحيح مسلم من حديث عدي بن عميرة الكندي t قال: سمعت رسول الله e يقول: "من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة" فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه فقال: يا رسول الله اقبل عني عملك، قال: "ومالك؟" قال: سمعتك تقول كذا وكذا، فقال e: "وأنا أقوله الآن من استعملناه منكم على عمل فليجيء بقليله وكثيره فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى".
وعوداً على مدار حديثي أقول: إن الله قد يقدّر المصاب على الجميع بسبب ذنوب الجميع؛ أو على البعض بسبب ذنوبهم؛ أو على البعض بسبب ذنوب الجميع؛ أو على الجميع بسبب ذنوب البعض.
أما الأحوال الثلاث الأُوَل فالآيتان المتقدمتان صريحتان فيها..ولله الحكمة البالغة حين يصيب البعض بذنوب الجميع، فالملك ملكه والخلق خلقه والأمر أمره سبحانه وبحمده.
وأما الحال الرابعة فيشهد لها قول الله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"، فحذّر الله أن الفتنة –إن نزلت- فلن تكون محصورة على الظالمين؛ بل تحلّ بغيرهم.
وكذا يشهد لها الحديث الثابت في الصحيح أن النبي e قال: "يغزو جيش الكعبة؛ حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بأولهم وآخرهم". فقيل: كيف يُخسف بأولهم وآخرهم؛ وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟! فقال e: "يُخسف بأولهم وآخرهم؛ ثم يُبعثون على نياتهم". فأخبر e أن الخسف يعمّ الجميع؛ وإذا جاء يوم القيامة فإن كلاً يحاسب على عمله.
ويشهد لذلك –أيضاً- ما جرى للمسلمين يوم أحد.. فإن الله سمّى ما جرى للمسلمين مصيبة؛ فقال: "أَوَلمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم". فجعل سبب المصيبة من عند أنفسهم؛ وهي معصيتهم التي ذكرها سبحانه بقوله: "حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون". ومعلوم أن المعصية كانت من بعض الجيش؛ وتحديداً من بعض الرماة حين خالفوا أمر النبي e.
ومع ذلك:
فقد شُجّ وجه النبي e وكُسِرت رباعيته، فهل كان ذلك بسبب معصية صدرت منه e؟!
وقُتل حمزة بن عبدالمطلب سيد الشهداء وعبدالله بن جحش وعبدالله بن عمرو بن حرام ومصعب بن عمير وغيرهم من سادات الصحابة وكبارهم y.. فهل كان ذلك بذنب منهم؟!
بل حتى أمير الرماة عبدالله بن جبير t والنفر اليسير الذين بقوا معه على الجبل.. هل قُتلوا بخطيئتهم؟!
لقد حصل ذلك كله بقدر الله تعالى وحكمته؛ لكنه سبحانه ذكر سبب ذلك بقوله: "قل هو من عند أنفسكم".. ومع هذا؛ فإن الله ذكر لنا في ثنايا الحديث عن هذه الغزوة من خلال سورة آل عمران شيئاً من الحِكَم الإلهية في هذا القضاء بقوله: "وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين*وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين"، وقوله: "وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين*وليعلم الذين نافقوا....الآية".
فإن قال قائل: وقوع الموت والجرح والقرح على المذنبين سائغ؛ فما مسوّغ وقوعه على الطائفة التي يظهر أنها غير مذنبة؟
فالجواب أن هذا عائد إلى حكمة الله تعالى؛ ثم إن الموت إنما حلّ بمن جاء أجله؛ و"إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون". وكل ما يقدّره الله على عباده فهو مكتوب عليهم وهم في بطون أمهاتهم؛ بل هو مكتوب قبل أن يخلق الله الخلائق بخمسين ألف سنة.
خلاصة القول.. –وبغضّ النظر عن كارثة جدة-:
إن المصائب تحلّ بسبب الذنوب..
نعم..قد تكون عقوبة لأناس عتوا وبغوا وطغوا؛ فأخذهم الله نكال الآخرة والأولى..
لكنها قد تكون ابتلاء لأقوام لاختبار إيمانهم وقوة صبرهم..
وقد تكون تمحيصاً لذنوب المؤمنين ورفعة في درجاتهم..
وقد تجمع المصيبة هذا كله..لكن لا يستطيع العبد تعيين شيء منها لأحد معيّن..
ومع ذلك.. فينبغي للعبد المؤمن حين تنزل به مصيبة أن يضع نفسه في المواطن الثلاثة كلها؛ فيرى أنها عقوبة له على ذنوبه فيستغفر ويتوب؛ ويقلع وينيب.. ويظن أنها اختبار لإيمانه وصبره فيتجلّد ويتحسب الأجر عند الله.. ويحسن الظن بربه فيحمده على قضائه ويسأله أن يجعل هذا البلاء تكفيراً لسيئاته ورفعة في درجاته.
نسأل الله أن يتقبل الموتى شهداء؛ وأن يعجّل للجرحى الشفاء؛ وأن يُفرغَ علينا جميعاً الصبر؛ ويجعل عاقبة هذا الأمر وسائر أمورنا خيراً..وصلى الله وسلم على نبينا محمد...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق