السبت، 3 أبريل 2010

على الله توكلنا (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 25/1/1424هـ)
الخطبة الأولى
الحياة الدنيا مليئة بالمتاعب والمصاعب، والمحن والشدائد؛ إنْ صفت أياماً تكدرت أعواماً، وإن أضحكت شهراً أبكت دهراً، ولا يدوم على حال لها شانُ.
والعبد المؤمن دائم الاتصال بالله والتعلق به، في السراء والضراء، والشدة والرخاء، يعلم أنه غير مستغن عن ربه فيستغيث به ويتضرع إليه أن يثبته وألا يكله إلى أحد سواه؛ خاصةً عند الفتن والأزمات حيث تتيه العقول وتحار الألباب وتضطرب الأفهام؛ حتى عن بعض البدهيات التي ما كان المرء حال رخائه يظن أن تغيب عنه، والمعصوم من عصم لله.
أيها المسلمون.. إن النازلة التي نزلت بنا هذه الأيام قد أذهلت عقول كثير من الناس فغفلوا عن بعض المسلّمات حتى في جانب توحيد الله والإيمان به.
عباد الله.. إن هذا الكون؛ بأرضه وسمائه؛ ويابسه ومائه، وما يعيش فيه من الكائنات الحية وغير الحية ملك لله وحده لا شريك له، فهو سبحانه وتعالى المتصرف في كل ذلك بما يشاء: "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير"، "له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور".
وكل ما يجري في هذا الملكوت العظيم فهو بعلمه سبحانه: "إليه يردّ علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه"، "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين"، "يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور".
وكل شيء في هذا العالم قد شاءه الله وقدّره؛ فهو سبحانه الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، وما من حركة أو سكنة إلا بتقديره وتدبيره جل شأنه؛ وكل ذلك بحكمة ولحكمة؛ وهو سبحانه العزيز الحكيم: "قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فسيقولون الله"، "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير".
فالله جل وعلا هو الرب المالك لهذا الكون؛ وهو المدبر له والمتصرف فيه؛ فلا يقدر أحد أن يشاء ما لم يشأه الله، ولا أن يمنع ما يقدّره الله.
فما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لا يكون
والله سبحانه هو القوي المتين، ذو العزة والجبروت، والقوة والملكوت، وهو ذو البطش الشديد؛ الفعّال لما يريد.. أرغم أنوف الطغاة، وخفض رؤوس الظلمة، ومزّق شمل الجبابرة، أهلك النمرود ببعوضة، وهدم سد مأرب بفأرة، وهزم أبرهة بالطير الأبابيل.. وأغرق فرعون ثم نجاه ببدنه ليكون لمن خلفه آية.
عباد الله.. إن النظر في هذه المعاني وأمثالها يزيد من اعتمادنا على ربنا وتوكلنا عليه ولجوئنا إليه وثقتنا بنصره جل شأنه.
هذا نبي الله نوح ينادي قومه: "إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون"..أي إن كان قد شقّ عليكم مقامي عندكم وتذكيري إياكم وأردتم أن تنالوني بسوء فقد اعتمدت على الله وتوكلت عليه، فأجمعوا أمركم كلُكم ولا يتخلف منكم أحد، ولا تدخروا من جهدكم شيئاً، وأتوا بشركائكم الذين كنتم تعبدون من دون الله، وأظهروا العداوة جهاراً، وتقدموا لتقضوا عليّ إن قدرتم.. فما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً، ونجاه الله في الفلك وأغرقهم.
وهذا هود يتحدى قومه ويعلن توكله الكامل على الله: "إن أُشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون* من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون* إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم"، فماذا كانت العاقبة؟ "ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ* وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد* وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عاداً كفروا ربهم ألا بعداً لعاد قوم هود".
وهذا شعيب يرد على قومه حين هددوه بالطرد من القرية إن لم يرجع عن دينه فيقول: "أولو كنا كارهين* قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علماً على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين"، فكانت النتيجة أن نجى الله نبيه شعيباً، وأما قومه "فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين".
وأما إبراهيم خليل الرحمن؛ فها هو يعلن اعتماده على الله وتوكله عليه ويبرأ من حول نفسه وقوتها حين أُلقي في النار.. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان آخرَ قول إبراهيم حين أُلقي في النار حسبي الله ونعم الوكيل"، فكانت النار برداً وسلاماً.
وهذا موسى ينادي في قومه: "إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين* فقالوا على الله توكلنا".
بل إن رسل الله –كما أخبر الله- قالوا لأقوامهم: "إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وعلى الله فليتوكل المؤمنون* وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون"، فكذّبهم أقوامهم وهددوهم: "فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين* ولنسكننكم الأرض من بعدهم".
وأما صفوة الرسل والأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم فإنه سيد المتوكلين.. لما قال الناس له ولأصحابه بعد غزوة أحد: "إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل* فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله".
عباد الله.. إننا في هذه الأزمة أحوج ما نكون إلى مثل هذا المقام، مقامِ التوكل على الله، فإن من توكل على الله كفاه، "وكفى بالله وكيلاً"، "ومن يتوكل على الله فهو حسبه"، وما ظنكم بمن كان الله حسيبَه وكافيَه؟!.
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية
إن التوكل على الله آية المؤمن وسمة الموحد وعلامة التقوى. وهو جالب لرضى القلوب وزارع للطمأنينة في النفوس، وهو طارد للشيطان؛ فلا يكون على العبد سلطان، "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون"، وجاء في الحديث: "من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقال له حينئذ: هديت وكفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟"رواه أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد حسن.
بالتوكل تنال محبة الخالق، وتُرفع درجة الواثق، ويُحفظ الصادق. إنه براءة من الحول والطول والقوة إلا بالله العلي العظيم..
والتوكل نصف الدين، ونصفه الثاني الإنابة، فالدين توكل وهو الاستعانة وإنابة وهي العبادة، والله تعالى يقول: "إياك نعبد وإياك نستعين".وإنما يتحقق التوكل بالقيام بالأسباب المأمور بها، فلا يصح التوكل مع تعطيل الأسباب؛ بل هو بطالة وتواكل..
إن التوكل –عباد الله- راحة للبال وسكينة للخاطر، وحفظ من المكائد والمخاطر، وراحة من الأوهام والآلام.. كيف لا؟! وفيه استحضار لعظمة الله، واستشعار لمعية الله، واعتماد على الله، وثقة بنصر الله.
يقول ابن القيم رحمه الله : "ومن ترك الاختيار والتدبير… وعلم أن الله على كل شيء قدير… وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه… وأنه أنصح للعبد من نفسه، وأرحم به من نفسه، فألقى نفسه بين يديه وسلم الأمر كله إليه، وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعيف بين يدي ملك عزيز قاهر له التصرف في عبده بما يشاء فما أطيب عيشه وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه…" ثم يقول رحمه الله: "والتوكل تارة يكون توكل اضطرار وإلجاء، بحيث لا يجد العبد ملجأً ولا وَزَراً إلا التوكل، كما إذا ضاقت عليه الأسباب وضاقت عليه نفسه وظن أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وهذا لا يتخلف عنه الفرج والتيسير ألبتة". اهـ. "ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير* ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق