السبت، 3 أبريل 2010

أعياد الكفار (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 28/12/1429هـ)
الخطبة الأولى
إن الله جلَّ شأنه كتب أن كلَّ أمةٍ تستبدل الضلال بالهدى وتتخلى عن خصائصها وتخجل من مبادِئها أنها أمة لا تزال في تقهقر وانحطاط واضمحلال في فكرها وقوتها وسلوكها.
وإن مما ابتليت به أمة الإسلام الإعجاب والتبعية المطلقة لأعداء الإسلام من قِبَل ضعفاء النفوس من المسلمين الذين بلغ بهم الإعجاب والافتتان بحضارة الغرب أَوجَه، فأضحوا من الداعين إلى الاحتذاء بحذوها والسير في ركابها، حذو القذة بالقذة، وحذو النعل بالنعل، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلوه.
أيها المسلمون، لم يعد خافيًا اغترار كثيرٍ من المسلمين وتقليدهم وافتتانهم بما يأتي من أخلاق بلاد الكفر، فأعياد الميلاد وأعياد رأس السنة والتعلقُ والافتتان ببعض مشاهير الكفرة رياضةً أو فنًا أمرٌ مشاهد، حتى حاكاهم بعض شباب الإسلام في حركاتهم وقصاتِ شعورهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
عباد الله.. في هذه الأيام يحتفل النصارى الضالون بعيد رأس السنة الميلادية، وهذا العيد بدأ وللأسف يغزو مجتمعاتنا، وتعلقت به نفوس بعض شبابنا ذكورًا وإناثًا، انشغلوا به، وتهيؤوا له، واتخذ بعضهم مناسبته عطلةً وعيدًا؛ وذلك بسبب ضعف الإيمان في قلوبهم وتقليد النصارى واتباع سيرهم ونهجهم في كلِّ ما يفعلونه، وبسبب الانبهار والإعجاب بحضارة الغرب المادية الزائفة والانخداع ببريقها المخدر، وبسبب الغزو الفكري والثقافي والترويج الإعلامي المسموع والمرئي والمقروء الذي يحرض على هذه الضلالات، ويلفت إليها أنظارَ الناس وأسماعَهم، ويحرك قلوبهم لها، ويثير أهواءهم للاستعداد لها والمشاركة فيها.
أيها المسلمون، لقد كان رسولكم r يحرصُ كلَّ الحرصِ على أن تخالف أمته اليهود والنصارى في كلِ شيء، حتى قال عنه اليهودُ أنفسهم كما يرويه أنسٌ t عند مسلمٍ: ما يريدُ هذا الرجلُ أن يدعَ من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. وإذا كان اليهود والنصارى يتجاهلون أعيادنا ولا يحتفلون بها بل يستهزئون ويسخرون منا فما بالُ البعضِ يحتفل بمناسباتهم ويحييها على سنتهم ابتغاءً وطلبًا لرضاهم؟! وتناسى أولئكَ قوله سبحانه: "وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ".
عباد الله، لقد أكثر أهل العلم في نقل التحذير من أعياد الكفار والمشاركة فيها، جاء عن مجاهد وغيره من السلف في قوله سبحانه: "وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ"، أن الزور هي أعياد المشركين، وقد صرح الفقهاء من أتباع المذاهب الأربعة باتفاق أهلِ العلمِ على عدم جوازِ حضور المسلمين أعيادَ المشركين، وجاءَ عن عمرَ t أنه قال: "لا تدخلوا على المشركين في كنائسِهم يومَ عيدهمِ؛ فإن السخط ينزل عليهم"، وقال أيضًا t: "اجتنبوا أعداء اللهِ في أعيادهم" أخرجه البيهقي بسند صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليسَ قد يعرض لعقوبة ذلك؟! ثم قوله: "اجتنبوا أعداء اللهِ في عيدهم" أليس نهيًا عن لقائِهم والاجتماع بهم فيه؟! فكيف بمن عَمِلَ عَملهم؟!" ولقد كان عليٌ t يكرهُ موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، فكيف بموافقتهم في العمل؟!.
إن مشاركة النصارى في أعيادهم تورث نوع محبة ومودةٍ وموالاةٍ، والمحبة والموالاةُ لهم تنافي الإيمان، وقد قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ". ثم إن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجبُ سرورَ قلوبهم وانشراح صدورهم بما هم عليه من الباطلِ، والمشابهةُ والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجبُ مشابهة ومشاكلةً في الأمور الباطنة من العقائد الفاسدة على وجه المسارقة والتدرج الخفي، قال ابن عقيل: "إذا أردت أن تعرف الإسلام من أهل زمان فلا تنظر إلى ازدحامهم على أبواب المساجد، ولا ارتفاع أصواتهم بـ"لبيك"، لكن انظر إلى موالاتهم لأعداء الشريعة".
وقال ابن القيم: "لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب أو نحو ذلك؛ لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضاً ما لا يألفون غيرهم، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة؛ فكيف بالمشابهة في أمور دينية! فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة تنافي الإيمان".
عباد الله، إن مشاركة المسلم للكفار في أعيادِهم ليست مسألة إثم ومعصية، وليست مسألة خطأٍ وزلةٍ، لكنها قد تكونُ مسألة إيمان وكفر؛ لأن المشاركة نوعٌ من التشبه، وقد قال النبي r: "من تشبه بقوم فهو منهم" أخرجه أحمد وغيره.
قال ابن تيمية –رحمه الله-: "وهذا الحديث أقلُّ أحوالِه تحريمُ التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كُفر المتشبِّه بهم، كما في قوله تعالى: "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ"، وهو نظيرُ ما سنذكره عن عبد الله عمرو y أنه قال: "من بنى بأرض المشركين وصنَع نيروزهم ومهرجانهم وتشبّه بهم حتى يموت حُشرَ معهم يوم القيامة" أخرجه البيهقي بإسناد جيد".
وقال –أيضاً-: "إن الأعياد من جملة الشرائع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه وتعالى: "لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ"، كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه".
قال ابن القيم رحمه الله: "ومن تشبه بالإفرنج في لباسهم ونظمهم ومعاملاتهم فهو بلا شك إفرنجي غير مسلم، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم".
اللهم أصلح أحوال المسلمين..
بارك الله لي ولكم..







الخطبة الثانية
إن مشاركة النصارى في أعيادهم لا تقتصرُ على الحضور فقط، بل هناك صورٌ أخرى للمشاركة يغفل عنها كثيرٌ من الناس،ومنها: تهنئة الكفار بأعيادهم،وهذا منكرٌ عظيم وجرمٌ كبير؛ لأنه نوعُ رضا بما هم عليه من الباطل وإدخالٌ للسرور عليهم.
قال ابن القيم: "وأما تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرامٌ بالاتفاق، مثلَ أن يهنئهم بأعيادِهم وصومهم، فيقول: عيدٌ مبارك عليكَ، أو: تهنأُ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشدُ مقتًا من التهنئةِ بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرجِ الحرام ونحوه، وكثيرٌ ممن لا قدرَ للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصيةٍ أو بدعةٍ أو كفرٍ فقد تعرض لمقتِ الله وسخطهِ".
وإذا هنؤونا بأعيادِهم فإننا لا نجيبهم على ذلك؛ لأنها ليست بأعيادٍ لنا، ولأنها أعيادٌ لا يرضاها الله تعالى.
ومن صور المشاركة أيضًا للمشركين في أعيادِهم ما يشاهد جليًا في بعض أسواق المسلمين من بيع ما يستعينون به على إقامةِ شعائِر دينهم وأعيادهِم من شموع وورودٍ وبطاقاتٍ، أو كتابةِ عبارات التهنئةِ على الحلوياتِ والورود وغيرهِا، أو تأجيرِ الفنادق أو المسارحِ أو المجمعاتِ السكنية ليقيموا فيها حفلاتِهم وأعيادِهم، فإن هذا كلَّه من التعاون على الإثمِ والعدوانِ، والمالُ الذي يُجنى من وراءِ ذلكَ سحتٌ، وأيّ لحمٍ نبتَ من سحتٍ فالنار أولى به، قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فأما بيع المسلم لهم في أعيادهم ما يستعينون به على عيدهم من الطعام واللباس والريحان ونحو ذلك أو إهداء ذلك لهم فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم".
عباد الله.. ومن المسائل المهمة المتعلّقةِ بهذه الأعيادِ الكفريةِ أنه لا يجوز للمسلم أن يُهدي لمسلم آخر بمناسبةِ هذه الأعيادِ الباطلة، ومن باب أولى أنهُ لا يجوز للمسلم أن يُهدي للكافر في يومِ عيدٍ من أعياده؛ لأن ذلك يعدُ إقرارًا ومشاركةً في الاحتفالِ بالعيدِ الباطل.
وإذا كانت الهديةُ مما يستعانُ به على الاحتفال كالطعامِ والشموع ونحوه كان الأمر أعظمَ تحريمًا، وذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أن ذلك كفرٌ.
ولكن يجوزُ للمسلم أن يُهدي للكافر والمشركِ بقصد تأليفهِ وترغيبهِ في الإسلام، لا سيما إذا كان قريبًا أو جارًا، وقد أهدى عمرُ t لأخيه المشركِ حلّة، لكن لا يجوزُ أن تكون الهديةُ للكافرِ في يوم عيدِ من أعيادهِ أو لأجلِ عيدٍ من أعيادِهم.
وإذا أهدى إليكَ كافرٌ هديةً جازَ لك قبولها، تأليفًا لقلبه وترغيبًا له في الإسلام، كما قَبِلَ النبيُ r هدايا بعضِ الكفارِ كهدية المقوقسِ وغيره.
وإذا جاءت الهديةُ من الكافر في يوم عيدهِ فلا حرجَ في قبولها، ولا يعدُ ذلك مشاركةً ولا إقرارًا للاحتفالِ، قال ابنُ تيميةً رحمه الله: "وأما قبولُ الهديةِ منهم يومَ عيدِهم فقد قدّمنا عن علي t أنه أُتي بهديةِ النيروزِ فقبلها". لكن ذكر العلماءُ شروطًا لقبول الهديةِ من الكافرِ في يومِ عيدهِ وهي:
أن لا تكون الهديةُ من ذبيحةٍ ذبحت لأجل العيد.
وأن لا تكون الهدية مما يستعان به على التشبه بِهم في يومِ عيدهم كالشمعِ والبيض ونحو ذلك.
وأخيرًا أن يكون قبولُ الهدية بقصد تأليفهِم ودعوتِهم للإسلام لا مجاملةً أو مودةً أو محبة.فاتقوا الله عباد الله، واعتزوا بدينكم وإسلامكم، واحذروا سخط ربكم ومقته وعقابه، وخذوا على أيدي سفهائكم: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق