السبت، 3 أبريل 2010

التحذير من الشرك (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 2/3/1430هـ)
الخطبة الأولى
خلق الله أبانا آدم عليه السلام وأسكنه الجنة ثم أهبطه إلى الأرض فعمرها هو وذريته وأقاموا فيها توحيد الله جل وعلا، وبقي التوحيد في الأرض خالصاً دون شرك حتى بعد وفاة آدم عليه السلام مدة عشرة قرون، لا يُعبَد إلا الله، ولا يُدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يُتوكل إلا على الله..
ولكن إبليس اللعين الذي أقسم بعزة الله على إغواء بني آدم ما استطاع إلى ذلك سبيلا سعى بمكره وخداعه ووساوسه حتى أوقع الناس في الشرك، وكان ذلك أول ما وقع في قوم نوح..ولم ينقل إبليس الخلق إلى الشرك مباشرة، لكنه تدرّج بهم في دركات الشرك ووسائله وذرائعه حتى أوقعهم في عبادة الأصنام فعبدوها من دون الله..
روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما –في قول الله تعالى: "وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا"- قال: هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عُبدت.. قال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: "لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
فلمّا وقَع الشركُ في قومِ نوحٍ وعُبِدت الأصنام من دون الله بعَث الله نوحًا عَليه السلام يَدعو قومَه إلى توحيدِ الله، ويحذِّرهم من الشركِ بالله "إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*قال يا قوم إني لكم نذير مبين*أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون"، دعاهم إلى الله سرًّا وجِهارًا ولَيلاً ونهَارًا، ومَكَث فيهم أَلفَ سنةٍ إلا خمسِين عامًا، "وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ"، ثم أغرق الله أهلَ الأرض؛ ولم ينجُ إلاّ نوح ومن آمن معَه.
ثم تتابعت الرسلُ إِلى الأمَمِ، ما مضَى رسولٌ إلا يعقبه رسول، كلُّهم دُعاةٌ إلى توحيدِ الله وتحقيقِ "لا إله إلا الله" كما قال جلّ وعلا: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ".
وعمَّت الرسالةُ جميعَ الأمَمِ لِتقومَ حجّةُ الله على العِباد، "رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ"، حتى جاء خَاتمهم وسيّدهم وأكمَلُهم وأَفضَلهم محمّدُ بنُ عبد الله r، بعَثَه الله على حِينِ فَترةٍ منَ الرّسل واندِراسٍ من العِلم والهدَى، بعثَه بالحنيفيّة السّمحةِ، داعيًا إلى الله وإلى توحِيدِه، فابتدأ دعوتَه بمكّةَ كمَا ابتَدأ به إخوانُه الأنبياءُ السّابقون، يدعو قومَه لـ"لا إله إلاّ الله"، يدعوهم لأن يَقولوا هذه الكلمةَ العَظيمةَ، قولَةَ صادقٍ موقِن بها فاهِمٍ لها عامِل بمقتضاها قابِلٍ لها منقادٍ صادِقٍ في قولها، وكان قومُه يعرِفون المرادَ، وهو أنَّ العبادةَ خاصّة بربِّ العالمين، فامتَنَعوا وأبَوا وقالوا: "أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ"، و"كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ". ثم هاجر إلى المدينةِ ولم يزل داعِيًا إلى توحِيدِ الله ودينِه حتى انتقلَ إلى الرّفيقِ الأعلَى بعدما تركَ أمّتَه على المحجَّة البيضاء، وقد أكملَ الله به الدّينَ، وأتمَّ به النّعمةَ فصلوات الله وسلامه عَليه، أدَّى الأمانةَ، وبلّغ الرسالةَ، ونصح الأمّةَ، وجاهد في الله حقَّ الجهاد.
أيها المسلمون..يتبين مما تقدم: أن تعظيم الصالحين هو أول خطوات الشرك؛ وهو أخطر الوسائل المفضية إليه والذرائع الموصلة له؛ وإنما كان بتلك الخطورة لقربه إلى النفوس وسلامته ظاهرياً من مقاصد الشرك، فإن قوم نوح إنما اتخذوا تلك الصور ليتذكروا عبادة أولئك الصالحين فيتأسوا بهم ويسيروا على نهجهم؛ لكن لم يلبث القوم أن عبدوهم.
قال شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين"... ثم ساق أثر ابن عباس المتقدمَ في قصة قوم نوح..
وقد روى ابن جرير عن محمد بن قيس: أن أولئك الصالحين كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوّروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم.
قال القرطبي المفسر رحمه الله: "فعل ذلك أوائلهم ليتأنَّسوا برؤية تلك الصُّوَر ويتذكَّروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عزَّ وجلَّ عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثمَّ أنهم خَلَف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أنَّ آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها".
قال ابن القيم: "وما زال الشيطان يوحي إلى عبّاد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب. ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به –يعني: صاحب القبر- والإقسام على الله به، فإن شأن الله أعظم من أن يُقسَم عليه أو يُسأل بأحد من خلقه.
فإذا تقرر ذلك عندهم: نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثناً تعلّق عليه القناديل والستور، ويطاف به ويُستلم ويُقبَّل، ويُحج إليه ويُذبح عنده.
فإذا تقرر ذلك عندهم: نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته واتخاذه عيداً ومنسكاً، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. وكل هذا مما قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسول الله r من تجريد التوحيد وأن لا يُعبدَ إلا الله"اهـ.
أيها المسلمون..لأجل ما تقدم استفاضت السنة المطهرة في النهي عن رفع القبور والبناء عليها وتجصيصها واتخاذها مساجد وتسوية ما رفع منها.
فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله r كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح – أو قال: العبد الصالح – بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله".
ولهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : "لما نُزِل برسول الله r طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال –وهو كذلك–: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأُبرز قبره، غير أنه خُشي أن يُتخذ مسجداً.
وروى مسلم عن أبي هريرة t: أن رسول الله r قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ولفظه عند الإمام أحمد قال: "قاتل الله اليهود والنصارى".
وروى مسلم أيضاً عن جندب بن عبد الله t قال: سمعت النبي r قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".
وعن ابن مسعود t عن النبي r أنه قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". رواه مسلم
وروى أيضاً عن أبي الهياج الأسدي قال : قال لي علي بن أبي طالب t: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله r: ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته".
فتضمنت هذه الأحاديث وأمثالها تحريم هذه الأعمال ولعن فاعليها، وأنهم شرار الخلق عند الله، وفي هذه الأحاديث دلالة على شدة خوف النبي r على أمته من أن ترتكب ما ارتكبته الأمم قبلها من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فقد نهى عن ذلك أولاً، ثم نهى عنه قبل أن يموت بخمس ليال، ثم لعن وهو في السياق من فعل ذلك. كل ذلك حماية منه r لجناب التوحيد..
فنسأل الله أن يحيينا على التوحيد، ويميتنا على التوحيد..
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية
عباد الله.. إن بناء المساجد والقباب على قبور الأنبياء والصالحين من الصحابة والتابعين وأهل البيت المكرمين لقرابتهم من سيد المرسلين r، إن بناءها من المحدثات في الدين، وقد حدث ذلك في هذه الأمة بعد القرون المفضلة في القرن الرابع في دولة بين بويه الرافضية، وورث ذلك عنهم فرق الرافضة، فبنيت المشاهد على قبور الأئمة الحقيقية والوهمية: على قبر الحسين في كربلاء، وقبر موسى الكاظم في الكاظمية في العراق، وما يعرف بقبر السيدة زينب في الشام وغير ذلك من المشاهد والأضرحة.
وانتقلت هذه البدعة من الرافضة إلى فرق الصوفية في العالم الإسلامي، فلم يسلم من هذا المنكر العظيم والشر المستطير إلا القليل من بلاد المسلمين، حتى مكة والمدينة أفضل بلاد الله قد كانت فيها القباب على بعض القبور في البقيع والمعلاة، ولكن الله طهرهما من معالم البدعة والوثنية على يد الدولة السعودية السنية السلفية أيام الإمامين محمد بن عبدالوهاب ومحمد بن سعود، كما تطهّر كثير من نواحي الجزيرة العربية.
وقد ساء ذلك طوائف الرافضة والصوفية وغاظهم، لذلك فهم يبغضون هذه البلاد –حرسها الله- ويمقتون أهلها: حكاماً ومحكومين، لما قامت عليه هذه البلاد من دعوة الإصلاح والتجديد لمعالم التوحيد، توحيد الله وسنة رسول الله r، فصار أولئك الضلاّل يكيدون لها ويسبونها، ولم يكونوا يتفوهون بالتدخل في شؤون المملكة وشؤون الحرمين إلا في السنوات الأخيرة، ومن ذلك التدخل: دعوتهم إلى بناء القباب على أضرحة آل البيت y في مكة والمدينة، والرافضة يظهرون ذلك باسم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وهم يعلمون أو لا يعلمون أن ذلك مخالف لما جاء به الرسول r، واستفاضت به سنته من تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وما قام به أمير المؤمنين علي t طاعة لله ولرسوله r من طمس الصور، وتسوية القبور المشرفة، كما تقدم ذكر أدلة ذلك.
والرافضة المطالبون بوجوب السعي في إعادة بناء قبور أهل البيت في البقيع وصرف الأموال عليها، محادون لله ولرسوله r، ومخالفون لشريعته، ومعاندون لأمير المؤمنين علي t الذي أطاع الرسول r، وأمر أبا الهياج الأسدي بما أمره به رسول الله r.
أيها المسلمون.. إن هذه الدولة –حماها الله- تعلم أنها لم تقم إلا على توحيد الله، ولم يستقم سلطانها إلا بتطبيق شرع الله؛ ولم ينقد لها عباد الله إلا بعد إقامة دين الله.. لأن الله قد قال في كتابه: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً". وقال سبحانه: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور". وأعظم المعروف توحيد الله، وأعظم المنكر الإشراك بالله.
ولذلك تعلن هذه الدولة –وقاها الله كل سوء وشر- أن نظامها هو دين الله؛ ودستورها كتاب الله وسنة رسوله r.. ولم تتخل ولن تتخلى –بإذن الله- عن نصرتها لدعوة التوحيد، ومحاربة الشرك والبدع، وحماية الحرمين عمن يدنسهما.
والواجب على الجميع –نصرة لتوحيد الله الذي أس الدين وركن الملة الركين- أن لا يتهاونوا بالأمر وأن لا يسكتوا، بل عليهم أن يَحذروا من مكايد العدو المتربص، وأن يكشفوا خططهم، ويرصدوا تحركاتهم للحيلولة بينهم وبين ما يريدون.حفظ الله لأهل هذه البلاد توحيدهم وعقيدتهم؛ ووقاهم الشرك ووسائله؛ وحمى الله بلاد الحرمين من كل سوء وشر، ورد كيد أعدائها في نحورهم إنه على كل شيء قدير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق