السبت، 3 أبريل 2010

الإرهاب (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 2/4/1425هـ)
الخطبة الأولى
في ظل الثورة الإعلامية الضخمة والانفجار المعلوماتي الهائل والتسارع الرهيب في العولمة وما ترتب عليها من أحداث سيطر الإعلام من حيث يشعر الناس أو لا يشعرون على ثقافات كثيرين وأفكارهم، فصار هو المحرّك الأول لها، يحبون من يحبه الإعلام، ويبغضون من يبغض، ويوالون من يوالي، ويعادون من يعادي، يرضون عمن يمجّده الإعلام أمامهم ويقدسونه ويجعلونه أسطورة ومثالاً للحضارة الإنسانية، ويسخطون على من يذمه فيكيلون له أحطّ المعاني وأخسّها.
عباد الله، إن هذا التغير في السيطرة الإعلامية ليس إلا شكلاً من أشكال الحرب المتنوعة التي يقودها المحرك الأول للإعلام العالمي: الصهيونية العالمية على الإسلام بالدرجة الأولى، ثم للسيطرة على العالم بالدرجة الثانية؛ إذ هم يعلمون أنه لن تقوم لهم قائمة ودولة الإسلام شاهدة.
وإن من أبرز أسلحة هذه الحرب الإعلامية سلاح المصطلحات الذي شاع وانتشر مؤخرًا، فصار الإعلام يصوغ المصطلحات ويشكّلها كيفما شاء، ثم يطلقها على من شاء متى شاء. وهذا السلاح وإن كان معروفًا من القديم إلا أنه طُوّر وعُدِّل، واستفيد له من التقنية الحديثة فصار إلى ما صار إليه الآن.
لقد كان استخدام المصطلحات موجودًا في الصراعات الحضارية بين الأمم، بل حورب به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكان أعداؤهم يجلبون الألفاظ والمصطلحات التي هي أعلام على معان سيئة، ويسقطونها على دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام لتنفير الناس، يقول ابن القيم رحمه الله في الصواعق: "فأشد ما حاول أعداء الرسول محمد من التنفير عنه سوءُ التعبير عما جاء به، وضربُ الأمثال القبيحة له، والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة ألقوها في مسامع المغترّين المخدوعين، فوصلت إلى قلوبهم، فنفرت منه، وهذا شأن كل مبطل" اهـ.
وعلى العكس، فقد كان الأعداء يأخذون الألفاظ السليمة والصالحة فيجعلونها أعلامًا على ما يدعون إليه مما ينفر الناس منه؛ فيسهل تضليل الناس والتلبيس عليهم، وتأمل في مسمى: العلمانية، الذي يعني فصل الدين عن الحياة وكيف اشتق من العلم لتقبله النفوس وتُسيغه. وقس على هذا: الإصلاح، والتقدّمية، والعقلانية.
ولكن مهما بُدّلت الألفاظ وحُسّنت العبارات فلن يتغيّر من الحقائق شيء. يقول ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: "ولو أوجب تبديل الأسماء والصور تبدّل الأحكام والحقائق لفسدت الديانات وبُدّلت الشرائع واضمحلّ الإسلام، وأي شيء نفع المشركين تسميتهم أصنامهم آلهة وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟!" اهـ.
عباد الله، ومصطلح "الإرهاب" من أحدث ما أُنتج من هذا السلاح؛ وهو من أشدّه فتكًا في العقول والأفكار، فما تردّد على المسامع مؤخرًا لفظ ما تردد هذا المصطلح، لقد تَمَنْطَقَ به الكثيرون حتى ممن لا يحسن الحديث، واتخذه سيفًا يسلّه على من كرهه وعاداه.
ولست في هذا المقام أسعى إلى ما عجز عنه الآخرون من تحديده بحدٍّ جامع مانع، لكني سأقف مع أصل هذا المسمى في لسان العرب ثم في لسان الشارع، ولنقارن بعدها بين ما نصل إليه وما هو عليه الآن.
ولكن ينبغي أن نعلم أوّلاً أنّ هذا المسمى جاء تعريبًا لمصطلح غير عربي، وبناء على هذا فقد كان علينا أن نعلم مراد أهل تلك الثقافة من إطلاق هذا المسمى، حتى نضع له ما يساويه من لغتنا، فلا نزيد ولا ننقص؛ لأن إطلاق اسم "الإرهاب" على ما أراده أولئك أدخل ما هو خارج عنه، وأخرج ما هو داخل فيه، مما كان فيه خدمة لأغراض الأعداء وأهدافهم. إضافة إلى أنه أدّى إلى خلاف في ضبطه في إطار معيّن وحدّه بحدّ واضح، وهذا أمر طبيعي، إذ إن جذور الخلاف تعود في كثير من الأحوال إلى اختلاف المفاهيم أو الجهل بحقائق الأمور، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن كثيرًا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة" اهـ.
إن أصل "الإرهاب" في اللسان العربي هو الراء والهاء والباء، وهي تدور حول معنى الخوف والفزع، فالإرهاب هو التخويف والإفزاع.
وإذا تعرضنا لدراسة هذا المصطلح في نصوص الكتاب والسنة نجد أنه استُخدِم في معاني عظيمة، فالرهبة من الله عز وجل من أجلّ عبادات القلوب وأعمالها المطلوبة شرعًا، يقول الله سبحانه: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40]، وقال عزّ شأنه في نعت أنبيائه عليهم الصلاة والسلام: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء:90]، وكان من جملة دعاء النبي كما عند ابن ماجه بسند صحيح: ((ربّ اجعلني لك شَكّارًا، لك ذَكّارًا، لك رهّابًا)).
وأيضًا فإن إعداد القوة لإرهاب أعداء الله وأعداء المؤمنين من الأمور المأمور بها شرعًا وعقلاً؛ لما يتحقّق بها من المصالح ويندفع بها من المفاسد، قال الله سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60]، وكل أمّة تحاول أن تظهر شيئًا من مكنون قوتها وتبرزَه ليرهبها عدوها.
أما الإرهاب بالمصطلح الحديث فهو كألفاظ المبتدِعة المجمَلة التي يُراد بها حقّ وباطل؛ ولذا فليس لنا أن نقرّه بإطلاق أو نردّه بإطلاق؛ بل لا بد من الاستفصال عن مُراد المتكلّم به، فإن أراد به العدوان على الناس في دينهم أو دمائهم أو عقولهم أو أموالهم بكافّة صنوف العدوان من التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق والإفساد في الأرض وإلقاء الرعب بين الناس وترويعهم فلا شك أن هذا إرهاب مذموم، يردّه ديننا الحنيف ويمنعه، بل تمنعه كافّة الأديان والعقول السليمة، يقول الله سبحانه: وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص:77].
وأما إذا أراد المتكلّم به دين الإسلام بشكل عام أو وَصَف به شعيرة من شعائره كالجهاد وعقيدة الولاء والبراء أو قَصَد به تطبيق شرع الله بإقامة الحدود وتحكيم كتاب الله أو التمسّك بشريعة الله كما أمر الله كإطلاق اللحى ولزوم المرأة حجابها الشرعي أو إزالة شيء من آثار الجاهلية التي يجب طمسها وإزالتها فهذا إطلاق مردود جملة وتفصيلاً، ولا نقبله ولا شكلاً من أشكاله؛ بل هذا ديننا وهذه شرعتنا فيها فلاحنا ونجاتنا وبها مجدنا وعزّنا ونصرنا؛ إن ابتغينا السيادة والريادة والقيادة للعالمين فبتمسّكنا بها ولزومنا إياها.
ويا ليت قومي يعلمون أن أساس إطلاق مصطلح الإرهاب هو إرادة المعنى الأخير بإلصاقه بدين الإسلام وأتباعه؛ ليقف العالم الكافر وأذنابه من جهلة المسلمين وَغَوْغَائهم وحَمْقَاهم في وجه دين الإسلام ونشره بين العالمين، ولكن وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].
بارك الله لي ولكم





الخطبة الثانية
إننا حين نقول: إن إطلاق الغرب لمصطلح "الإرهاب" هو استهداف لديننا لا نقوله من فراغ، أو تهجّمًا عليهم وظلمًا لهم، لكنها الحقيقة وما ينطق به لسان الواقع، وإلا فما تفسير تهجّمهم على الدين إذا قام بالعمليّة رجل مسلم بغضّ النظر عن كون الإسلام يقرّها أو أنه خالف الإسلام بارتكابها. إن الحديث أولَ ما ينطلق إلى وصفه بأنه مسلم إرهابي، أما إذا قام بالعملية يهودي أو نصراني فلا يُنسب إلى دينه شيء، بل لا يعدو التصرف حماقة منه وشذوذًا إنسانيًا.
ولماذا يوصف أصحاب الأرض وأهل الحق في فلسطين والشيشان والعراق وأفغانستان بأنهم متمرّدون إرهابيون، حتى في حق الدفاع المشروع عن أرضهم الذي تكفله لهم ـ كما يُزعَم ـ كافّة الأعراف والمواثيق الدولية، ولا يوصف الطغيان الكافر من قِبَل الصهاينة في فلسطين ولا من القوات الصليبية الأمريكية وحلفائها في العراق وأفغانستان ولا من الروسية المُلحِدة في الشيشان بشيء من ذلك.
بل حتى على سبيل التسليم لهم في وصف المدافعين بأنهم إرهابيون لِمَ لم يُطلق الوصف نفسه على المتمرّدين في تيمور الشرقية النصرانية أو في هاييتي أو في ليبيريا؟! بل سعوا في تحقيق هؤلاء لمساعيهم، فمنحوا الأولى استقلالها، وأطاحوا بالنظام الحاكم في الأُخريين.
لماذا يُعدّ قتل من خان الله ورسوله والمؤمنين وباع آخرته بدنياه ضربًا من الإرهاب ولا يعدّ استهداف الشيخ أحمد ياسين أو الدكتور عبد العزيز الرنتيسي أو غيرهما من رموز الجهاد الإسلامي في الأرض إلا نوعًا من الدفاع المشروع ومطاردة المجرمين ومُنظِّري الإرهاب؟! لماذا يوصف استهداف الأنفاق الإسبانية أو المسارح الروسية أو المباني الأمريكية إرهابًا ولا يوصف ضرب المسيرة السلمية في رفح أو قصف حفل العرس العراقي أو استهداف المهاجرين الراحلين في الشيشان وأفغانستان بأنه إرهاب؟! بل لا يعدو الحديث الدعوة إلى ضبط النفس!!
يا مسلمون، أفيقوا من سباتكمُ، فالشمس ما أصبحت كاليوم تِبيانًا.أيها المسلمون، أفيقوا. أيها المسلمون، أفيقوا. أيها المسلمون، أفيقوا. والله وبالله وتالله، ثلاثة أيمان لا أحنث فيها، إنها حرب على الإسلام لا على الإرهاب، ولاجْتِثَاث المسلمين لا الإرهابيين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق