السبت، 3 أبريل 2010

الكسوف (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 29/7/1429هـ)
الخطبة الأولى
لقد قضى الله بعلمه وحكمته أن تجري في هذا الكون آيات متنوعة تخوّف الناس؛ وتقيم الحجة عليهم؛ وتزيد المؤمنين إيماناً بربهم وتوحيداً له: "وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً"، "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق"، "يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"، "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب".
ألا وإن من أعظم تلك الآيات: كسوف الشمس والقمر، وهما آيتان تكررتا في هذا الزمان المتأخر كثيراً؛ ولا بد لنا أن نقف معهما بعض الوقفات:
الوقفة الأولى: أن هذا الكون يجري بقدر الله تعالى؛ فلا حركة ولا سكنة فيه إلا قد قضاها الله وقدّرها؛ فهو سبحانه الذي يقدّر حصول الكسوف والخسوف؛ وهو سبحانه الذي يقضي أن تتكرر الحادثة في زمان دون زمان، ومكان دون مكان. ولا علاقة بحال بين هذه الحادثة وبين الحوادث الأرضية؛ كما قال النبي r: "لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته".
الوقفة الثانية: أن الله قد جعل لهذه الآية –كغيرها من الآيات- سبباً شرعياً وكونياً. فأما الشرعي فهو تخويف العباد؛ حيث ثبت في الصحيحين عن النبي r أنه قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوّف الله بهما عباده". وأما الكوني فهو احتجاب نور الشمس أو القمر كلِّه أو بعضِه بسبب حركتهما ودورانهما.
ولا تعارض بين السببين فإن مسبِّبهما واحد وهو الله سبحانه؛ فهو جل شأنه الذي يخوّف العباد وهو الذي قدّر حركة هذه الأجرام.
والعبد المؤمن ينظر إلى السبب الشرعي أكثر من الكوني لأنه مخاطب بالشرع؛ لذلك تجده يعتبر ويخاف، أما الكافر فلا تعدو الحادثة عنده أن تكون ظاهرة فلكية يزول أثرها بانقضائها.
وهكذا سائر الآيات: فالزلازل والبراكين والرياح وغيرها لها أسباب شرعية وكونية لا تتعارض.
ولكن العجب اليوم لحال كثير من المسلمين حين تأثروا بالكفار في نظرتهم إلى مثل هذه الحوادث الكونية؛ فصاروا يتحدثون عن أسباب مادية بحتة؛ بل وأعجب من هذا أن بعضهم يعدّ ظاهرة الخسوف والكسوف بالذات عرساً فلكياً فتتطلع إليه نفسه وتراه يترقب وقوعه لينظر إليه ويقوم بتصويره؛ ثم لا يحرّك بعد ذلك ساكناً.
الوقفة الثالثة: أن نقارن بين حال كثير من الناس اليوم وتعاطيهم لهذه الظاهرة وحال النبي r. فإن بين الحالين فرقاً كبيراً وبوناً شاسعاً؛ فإن موقف الناس من الكسوف لا يدل على عظمته في نفوسهم وتخوّفهم به. لكنّه كان في عهد النبي r عظيماً، ومن علامات عظمته: أن النبي r خرج من بيته فزعاً يخشى أن تكون الساعة قد قامت، حتى إنه –من فزعه- خرج وهو يجر رداءه فلم يكتمل اللباس إلا في المسجد، بل جاء أنه خرج في درع لبعض زوجاته حتى أدركوه بردائه وهو في المسجد، وتوجه إلى المسجد دون أن يشتغل بالنظر في هذه الآية أو يطالعها؛ ولما دخل المسجد أمر مناديه أن ينادي: الصلاة جامعة، ولا ينادي r بهذا النداء إلا لجمع الناس لأمر جلل.. ثم دخل بأصحابه في صلاة طويلة؛ وصفها أبو موسى t بقوله: "فصلى بأطول قيام وأطول ركوع وأطول سجود"، حتى جاء في بعض الروايات أن بعض الصحابة قد سقط مغشياً عليه من طول القيام. وعرضت للنبي r في هذه الصلاة مواقف عظيمة ذكرها في خطبته البليغة التي وعظ بها الناس بعد الصلاة؛ حتى إنه تفاعل مع بعض تلك المواقف فتقدّم وتأخر وهو يصلي..
يقول r: "لقد رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني أتقدم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت". وفي لفظ: "ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع منها.. وأخبرهم أنه رأى عمرو بن مالك يجر أمعاءه في النار وكان أول من غيّر دين إبراهيم، ورأى امرأة تخدشها هرة ربطتها حتى ماتت جوعاً وعطشاً، ورأى سارق الحاج يعذب...
ولم يكتف r من الناس بالصلاة بل حضهم على أعمال أخرى؛ فقال: "إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره"، وفي لفظ: "فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا حتى ينكشف ما بكم".
الوقفة الرابعة: أن العلم بالخسوف والكسوف ليس من علم الغيب؛ بل هو مما يمكن أن يتعلمه العباد من خلال معرفة جريان الشمس والقمر، ولذا فإن بعض الناس قد يحسن الظن ببعض الجهلة من الكهان والمنجّمين مستدلاً بصدقهم في الإخبار بالخسوف والكسوف، وليس ذلك بشيء. قال شيخ الإسلام رحمه الله: " أما العلم بالعادة في الكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريان الشمس والقمر وليس خبر الحاسب بذلك من علم الغيب بل هو مثل العلم بأوقات الفصول".
ويقول ابن القيم: " كثير من المنجِّمين يموِّهون على الجهال بأمر الكسوف، ويموِّهونهم أنَّ قضاياهم وأحكامهم النجوميَّة من السعد والنحس والظفر والغلبة وغيرها هي من جنس الحكم بالكسوف، فيصدِّق بذلك الأغمار والرعاع، ولا يعلمون أنّ الكسوف يُعلم بحساب سير النيِّرين في منازلهما، وذلك أمرٌ قد أجرى الله العادة المطَّردة به كما أجراها في الإبدار والسِّرار والهلال، فمن علم هذا علم وقت الكسوف ودوامه ومقداره وسببه، وأمَّا أنَّه يقتضي من التأثيرات في الخير والشر والسعد والنحس والإماتة والإحياء وكذا وكذا كما يحكم به المنجِّمون فقولٌ على الله وعلى خلقه بما لا يعلمون، نعم لا ننكر أنَّ الله سبحانه يحدث عند الكسوفين من أقضيته وأقداره ما يكون بلاء لقوم ومصيبة لهم، ويجعل الكسوف سببًا لذلك، ولهذا أمر النبيُّ r عند الكسوف بالفزع إلى ذكر الله والصلاة والعتاقة والصدقة، لأنَّ هذه الأشياء تدفع موجب الكسف الذي جعله الله سببًا لما جعله، فلولا انعقاد سبب التخويف لما أمر بدفع موجبه بهذه العبادات.
ولله تعالى في أيام دهره أوقاتٌ يحدث فيها ما يشاء من البلاء والنعماء، ويقضي من الأسباب بما يدفع موجب تلك الأسباب لمن قام به أو يقلِّله أو يخفِّفه، فمن فزع إلى تلك الأسباب أو بعضها، اندفع عنه الشر الذي جعل الله الكسوف سببًا له أو بعضه، ولهذا قلَّما يسلم أطراف الأرض حيث يخفى الإيمان وما جاءت به الرسل فيها من شرٍّ عظيم، يحصل بسبب الكسوف، وتسلم منه الأماكن التي يظهر فيها نور النبوَّة والقيام بما جاءت به الرسل أو يقلُّ فيها جدًّا".
بارك الله لي ولكم..




الخطبة الثانية
إن من المناسب أن ننبه إلى بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالكسوف وصلاة الكسوف:
فمن الأحكام: أن الصلاة لا تُصلى إلا إذا شاهد الناس ذلك بأبصارهم؛ ولا يكتفى فيه بخبر أهل الحساب.
ومنها: أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة، وهي مما تشرع له الجماعة بالنسبة للرجال؛ فالسنة أن يصليها الرجال في الجماعة؛ وأما النساء فإنهن يصلينها في البيوت.. ومن صلاها من الرجال في بيته فهو خير ممن لم يصلّها البتة.
ومنها: أن لصلاة الكسوف صفة خاصة: يصلي فيها المصلي ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات.
ومنها: أن الركوع الأول في كل ركعة هو الركن؛ فمن فاته الركوع الأول فقد فاتته الركعة.
ومنها: أنه لا يصح الدخول فيها بنية صلاة أخرى؛ ولا الدخول في صلاة أخرى بنية الكسوف نظراً لاختلاف الصفتين اختلافاً كبيراً.
ومنها: أن الكسوف لو تجلى قبل انتهاء الصلاة أتمّ المصلون صلاتهم خفيفة، ولو انتهت الصلاة قبل أن يتجلى فالصحيح أنهم لا يعيدون الصلاة، وإنما يشتغلون بما شرعه النبي r من الذكر والدعاء والاستغفار والصدقة.
ومنها: أنه يُشرع بعدها أن يخطب الإمام خطبة واحدة يعظ الناس ويذكّرهم، وهي سنة وليست واجبة.
ومنها: أن صلاة الكسوف من ذوات الأسباب، ولذا فإنها تصلى حتى في أوقات النهي –على الصحيح من أقوال العلماء-.
ومنها: أنه إذا اجتمع مع صلاة الكسوف صلاة أخرى فإنه يُبدأ بالتي يُخاف فوتها، فإن لم يُخش فوات إحداهما أو خيف فوتهما جميعاً بدئ بالأوجب كالكسوف مع الجمعة أو مع إحدى الفرائض، فإن لم يكن فيهما واجبة كالكسوف مع التراويح أو الكسوف مع الوتر–مثلاً- بدئ بالآكد.
ومن العلماء من قال إن الكسوف إذا اجتمع مع إحدى الفرائض: جمعة أو غيرها فإنه يبدأ بالفريضة مطلقاً ولو خيف فوت صلاة الكسوف.. يقول ابن قدامة: "والصحيح عندي أن الصلوات الواجبة التي تصلى في الجماعة مقدمة على الكسوف بكل حال، لأن تقديم الكسوف عليها يفضي إلى المشقة لإلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة عليهم، وانتظارهم للصلاة الواجبة، مع أن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة، وقد أمر النبي r بتخفيف الصلاة الواجبة، كيلا يشق على المأمومين، فإلحاق المشقة بهذه الصلاة الطويلة الشاقة مع أنها غير واجبة أولى". نسأل الله أن يلطف بنا ويرحمنا، وألا يؤاخذنا بذنوبنا ولا بما فعله السفهاء منا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق