السبت، 3 أبريل 2010

نعم..كان الرسول صلى الله عليه وسلم أمياً.. لا يقرأ ولا يكتب (مقالة)

(نشر في 13/7/1428)
المكرم رئيس التحرير.. وفقه الله
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
فقد اطلعت على المقال الذي سطّره يراع الكاتب المبدع (فهد الأحمدي) في زاويته الرائعة (حول العالم) في العدد(14273) يوم الاثنين 9/7/1428هـ؛ وكان بعنوان: (هل كان الرسول e أميّاً بالفعل؟)
وقد ذكر الأستاذ فهد –وفقه الله- أن الأميّة تحتمل ثلاثة أوجه؛ ثم نزّه النبي e عن الثالث لأنه لا يليق بجناب نبينا e، ولم يبق غير معنيين اثنين: 1/ أن الأمية تعني الجهل بقضية معينة. 2/ أن الأمية تعني الجهل بالقراءة والكتابة.. وقد قرر من خلال بعض الشواهد أن الأميّة التي وُصف بها النبي e في مثل قول الله: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي" هي أميّة بالمعنى الأول؛ أي: أنه e كان أميّاً بما يتعلق بالأديان السماوية السابقة وشرائع الأمم السالفة. وهذا الكلام حق..
وأما المعنى الثاني: (أنه كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب)؛ فلم تطب نفس الكاتب بوصف النبي e به؛ لأنه كان يرى فيه انتقاصاً وتقليلاً من قدر النبي e؛ كما أكد ذلك المعنى في نفسه قريبه الذي اعترض عليه.
والحق الذي أحب أن أوضحه لكاتبنا القدير وللقراء الكرام أن النبي e إضافة إلى كونه أميّاً فيما يتعلق بالشرائع السابقة؛ فقد كان أميّاً أيضاً لا يقرأ ولا يكتب؛ وذلك كان من دلائل نبوته e ومعجزاته، لأنه جاء بهذا الكتاب المعجز في نظمه وبيانه؛ وفي محتواه من الأخبار الغيبية والأحكام المتوافقة مع الفطر السليمة والعقول المستقيمة. وشواهد ذلك ما يأتي:
1/ قال الله تعالى: "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون".
قال القرطبي: "وما كنت يا محمد تقرأ قبله، ولا تختلف إلى أهل الكتاب، بل أنزلناه إليك في غاية الأعجاز والتضمين للغيوب وغير ذلك، فلو كنت ممن يقرأ كتاباً ويخط حروفاً (لارتاب المبطلون) أي من أهل الكتاب؛ وكان لهم في ارتيابهم متعلق وقالوا: الذي نجده في كتبناً أنه أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس به. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً e لا يخط ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية. وقال النحاس: دليلاً على نبوته لقريش، لأنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك".اهـ.
وقال ابن كثير: "قد لبثت في قومك –يا محمد- من قبل أن تأتي بهذا القرآن عمراً لا تقرأ كتباً ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك أمي لا تقرأ ولا تكتب. وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل..." وهكذا كان e إلى يوم القيامة لا يحسن الكتابة ولا يخط سطراً ولا حرفاً بيده، بل كان له كتّاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم...".
كما قرر هذا جمهور المفسرين كالطبري وابن الجوزي وابن عطية والآلوسي وابن عاشور وابن سعدي.
وليُعلم أن مفهوم الآية غير مراد، فلو قال قائل: إن الله قال: "وما كنت تتلو من قبله من كتاب"؛ وهذا يعني أنه تعلم القراءة والكتابة بعد الوحي.. فهذا غير صحيح؛ لأنه لا فرق بين تعلم القراءة والكتابة قبل الوحي أو بعده؛ إذ إن شبهة تلقيه عن الأولين باقية؛ بمعنى: أن المشركين المبطلين سيظلون مستمسكين بشبهتهم ويتهمون النبي e بتلقي ذلك عن أساطير الأولين بعدما تعلّم القراءة والكتابة.
2/ قال تعالى: "الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل..." وفي الآية بعدها: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي...". ومعنى الأمي –هنا؛ كما يقوله جمهور المفسرين- الذي لا يقرأ ولا يكتب، وقد تقدم شيء من ذلك ضمن كلام القرطبي وابن كثير.
3/ قال تعالى: "قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون".
قال الشيخ ابن سعدي:"قد لبثت فيكم عمراً طويلاً تعرفون حقيقة حالي بأني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد، فأتيتكم بكتاب عظيم أعجز الفصحاء وأعيى العلماء، فهل يمكن مع هذا أن يكون من تلقاء نفسي أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد".اهـ
4/ قال تعالى: "وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا".
قال ابن سعدي: "أي ليس عندك علم بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية؛ بل كنت أمياً لا تخط ولا تقرأ".
5/ ثبت في الصحيحين –في قصة صلح الحديبية- أن سهيل بن عمرو سفير قريش –قبل أن يسلم- اعترض على قول النبي e في كتاب الصلح: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، وقال: لا نقر لك بهذا، لو نعلم أنك رسول الله ما منعاك أبداً، ولكن أنت محمد بن عبدالله.. فقال النبي e: "أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبدالله"،ثم قال لعلي: "امح رسول الله" فقال علي: لا والله لا أمحوك أبداً. فأخذ رسول الله e الكتاب –وليس يحسن يكتب- فكتب: هذا ما قاضى محمد بن عبدالله... الحديث"، وفي لفظ: أن رسول الله e قال لعلي: "أرني مكانها" فأراه إياه فمحاها.. فدل سؤال النبي e لعلي t عن مكانها؛ أنه e كان لا يحسن القراءة.
وقد أجاب العلماء –كما ذكر ابن حجر- عن قوله: "فكتب" بأن المراد: أمر الكاتب فكتب.. كما يجيء: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى.. يعني: أمر الكاتب أن يكتب إلى قيصر وإلى كسرى. بدليل لفظ الرواية: وليس يحسن يكتب..
وعلى فرض أنه كتبها بيده الشريفة فهذا لا يخرجه عن كونه أمياً؛ فإن كثيراً ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصوّر بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده وخصوصاً الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أمياً ككثير من الملوك.
قال الذهبي في السير: "والخطب يسير، فما خرج عن كونه أمياً بكتابة اسمه الكريم، فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدّهم الناس بذلك كاتبين، بل هم أميون، فلا عبرة بالنادر، وإنما الحكم للغالب، والله تعالى من حكمته لم يلهم نبيه e تعلّم الكتابة ولا قراءة الكتاب حسماً لمادة المبطلين.... إلى أن قال: ثم ما المانع من تعلّم النبي e كتابة اسمه واسم أبيه مع فرط ذكائه وقوة فهمه ودوام مجالسته لمن يكتب بين يديه الوحي والكتب إلى ملوك الطوائف..إلخ"
6/ ثبت في الصحيحين أن النبي e قال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، وهذه هي السمة السائدة على أمة العرب في ذلك الزمان؛ لأن الكتابة فيه عزيزة نادرة.. قاله ابن حجر.
وكون النبي e أميّاً لا يقرأ ولا يكتب هو المتقرر لدى جمهور أهل العلم؛ ولذا شنّ بعضهم وشنّع على من قال بغير هذا؛ حتى رموه بالزندقة؛ بل قال بعضهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال إن رسول الله قد كتبا
وهذا لا يقرّ من أولئك المتهجمين بلا شك؛ بل هو تسّرع ومبالغة ومغالاة، إذ لا تعدو المسألة كونها ظنية اجتهادية؛ ومستند كلا القولين ظواهر أحاديث صحيحة؛غير أن العقل لا يحيلها؛ وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها.. كما ذكر ذلك أبو العباس القرطبي في المفهم وتلميذه القرطبي المفسر وابن حجر في الفتح.
ولم أشأ أن أذكر مثل هذا إلا لبيان أن المتقرر عند عامة علماء الأمة سلفاً وخلفاً أن النبي e أمي لا يقرأ ولا يكتب؛ وأنه كان مسلّما وبديهياً؛ ولذا شنّ بعضهم هجوماً شرساً على من خالف ذلك؛ ولعل عذرهم أن في مثل هذا القول فتح باب لمن رموا النبي e بأنه يتلقى عن أصحاب الكتب السابقة؛ وأن فيه نوع مستند لمن قالوا: "أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً".
ولذا؛ يُعلم أن وصف النبي e بأمّيّة القراءة والكتابة ليس نقصاً من مقامه أو تقليلاً في حقّه؛ بل هو من دلائل نبوته وإعجاز رسالته e؛ إلا أن هذا مخصوص به e.. قال القسطلاني في المواهب اللدنية: "ومن دلائل نبوته e أنه كان أمياً، لا يخط كتاباً بيده ولا يقرؤه، وُلد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضين، ولم يخرج في سفر ضارباً إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم تلك الكتب، ودرست وحُرفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها وسقيمها إلا القليل، ثم حاجّ كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حذاق المتكلمين وجهابذة النقاد المتفننين لم يتهيأ لهم نقض ذلك، وهذا أدل شيء على أنه أمر جاءه من عند الله تعالى".
وأما أمته e فإنها مأمورة بالتعلم ورفع الجهل والأمّيّة عنها؛ وجاء الحث على العلم وذكر شيء من فضائل أهله في نصوص كثيرة من آي الكتاب وحديث النبي e.. وقد ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد: أن المأمون قال لأبي علي المعروف بأبي يعلى المنقري: بلغني أنك أمي؛ وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك.. فقال: يا أمير المؤمنين. أما اللحن فربما سبقني لساني بالشيء منه. وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان النبي e أمياً وكان لا ينشد الشعر. قال المأمون: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك؛ فزدتني عيباً رابعاً وهو الجهل. يا جاهل، إن ذلك في النبي e فضيلة، وفيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما مُنع ذلك النبي e لنفي الظِّنة عنه؛ لا لعيب في الشعر والكتاب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق