السبت، 3 أبريل 2010

لماذا سقط المسلمون (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 23/10/1423هـ)
الخطبة الأولى
حين انتصر المسلمون على الروم في وقعة اليرموك؛ وقف ملك الروم يسائل فلول جيشه المنهزم؛ والمرارة تعصر قلبه، والغيظ يملأ صدره، والحنق يكاد يذهب عقله: ويلكم.. أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم، أليسوا بشراً مثلكم؟ قالوا: بلى أيها الملك.. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم في كل موطن.. قال: فما بالكم إذن تنهزمون؟ فأجابه عظيم من عظماء قومه: إنهم يهزمونا لأنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويتناصفون بينهم..
ولقد صدق وهو كذوب.. إن تلكم السجايا العظيمة والخصال الكريمة كانت هي أسباب ذلك العز والمجد التليد، وكانت هي نفس السباب التي صنعت ملحمة الجهاد الكبرى، ورسمت أقواس النصر الباهرة، وأقامت حضارة الإسلام العالمية، ومكنت المسلمين من رقاب عدوهم حتى دانت لهم الأرض وأهلها، وأتتهم الدنيا وهي راغمة..
هذه الخصال الرفيعة هي التي انتقلت بأسلافنا تلك النقلة الضخمة من عتبات اللات والعزى إلى منازل إياك نعبد وإياك نستعين؛ حيث الأرواح المتطلعة إلى السماء، والنفوس السابحة في العلياء..
تلك السجايا هي التي صنعت أبطالاً لا كالأبطال، ورجالاً لا كالرجال، خطّوا بدمائهم الزكية صفحات أمتهم الماجدة..
ثم تغيرت الحال، وهوت الأمة من عليائها؛ لتستقر في غبرائها.. وكم يتألم المسلم الغيور على أمته وهو يرى زمام القافلة ينتقل إلى غيرها بعد أن كان في يدها..
كم صرفتنا يد كنا نصرّفها وبات يملكنا شعب ملكناه
إن الخصوم والأعداء لم ينالوا ما نالوا بسموهم ورفعة أخلاقهم؛ ولكن والله يتخاذلنا وبعدنا عن منهج ربنا..
"أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم"، "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير".
إن كثيراً من المسلمين اليوم قد مالوا عن الجادة، وأصبحوا لا يحملون من الإسلام إلا اسمه، تراهم يدّعون الإسلام والإيمان وهم أبعد الناس عن ذلك.
احتفالات بالموالد وأعياد الكفار، وبناء على القبور، وحج للأضرحة، واحتكام إلى غير شرع الله.. عقائدهم تغرق في أوحال الخرافة، وتصرخ من تفاقم البدعة..
تهالك على المادة، وطمع في المغانم، وإقبال على الدنيا، ونسيان للآخرة، وحين تنزل بهم نازلة أو تحل بهم مصيبة فعند القبور الملتجى وإليها المشتكى عياذاً بالله.
أما تحكيم غير شرع الله فيعدّه الكثيرون ممن يزعم الإيمان مظهراً من مظاهر التقدم والمدنية وباباً إلى الحضارة والانفتاح والعولمة..
لقد أعرض هؤلاء عن قول الله تعالى: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قلبك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً* وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً"..
قال ابن كثير: "هذا إنكار من الله عز وجل على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل؛ وهو المراد بالطاغوت هنا"اهـ.
ويقول ابن القيم: "لمّا أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليها واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما؛ عرض لهم فساد في فطرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم، فإذا رأيت هذه الأمور قد أقبلت؛ وراياتها قد نُصبت؛ وجيوشها قد رُكبت، فبطن الأرض والله خير من ظهرها، ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس"اهـ. ولكأنه والله ينظر إلى حالنا اليوم؛ فسدت فطر كثير من الناس وأظلمت قلوبهم،، فإلى الله المشتكى..
عباد الله.. لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى؛ أخبر عن حال أمة الإسلام اليوم فقال فيما رواه أبو داود وغيره بسند حسن عن أبي هريرة: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن" قال قائل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".
والناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يجد هذه السمة هي الغالبة على أكثر الناس.. فليعلم أولئك وغيرهم أن الله لن يمكّن للمسلمين في الأرض حتى يصلحوا من حالهم ويرجعوا إلى دينهم، "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"..
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية
لقد وعد الله عباده بالنصر والتمكين إذا هم صححوا عقيدتهم وأصلحوا حالهم بالرجوع إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.
"يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً"، "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز* الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر".
إن سلفنا الصالح حين حققوا شرائط هذه الآيات تحقق لهم مضمونها وما وُعدوا فيها..
حينما حققوا التوحيد الصافي والإيمان الخالص ونصرة الله بإقامة شرعه؛ صَدَقهم الله وعده، فنصرهم وثبت أقدامهم ومكّن لهم واستخلفهم في الأرض وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا.
كانوا لا يرهبون الأعداء ولا يخافون من قواهم المادية.. يقابلون عَددهم بالشجاعة وعُددهم بالإيمان والثقة بنصر الله..
وحيئنذ تتهاوى أمام ذلك كله كل الأرقام والحسابات والمعادلات المادية والبشرية.. "إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده"..
فلنعد –عباد الله- لربنا، ولنكن صادقين في عودتنا، صادقين في عقيدتنا، صادقين في عبادتنا، صادقين في تعاملنا..إننا إن فعلنا ذلك مكّن الله لنا كما مكّن للذين من قبلنا: "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون* إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين"، "إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق