السبت، 3 أبريل 2010

حرية الفكر لا تعني الكفر (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 27/3/1429هـ)
الخطبة الأولى
إن مما ابتليت به أمة الإسلام عامةً؛ ومجتمعنا في بلدنا خاصةً؛ صنفين من سقطة الكتّاب –لا كثّرهم الله-:
صنف أنتن قلبه وعقله بالنفاق؛ ففاح عفنه في مقالاته؛ وانكشفت عورة فكره في أطروحاته. جاهل حسّاً ومعنىً؛ ويجهل أنه جاهل؛ فهو في جهل مركب: "ظلمات بعضها فوق بعض".
وصنف مخذول مهزوم؛ ساء ظنه بربه؛ وثبّطته همّته؛ فرضي بالقعود؛ وفرح بمقعده خلاف المؤمنين. يُوْضِع خلال الناس؛ ولا يزيد المسلمين إلا خبالاً.
وكلا الصنفين حقيق بالذمّ ولا كرامة، وجدير بِغَلّ يده إلى عنقه وكسر قلمه من دونما ملامة.. قد قَصُر في العلم والدين باعُه؛ وطالت في الجهل وأذى عباد الله ذراعه، فهو لجهله يرى الإحسان إساءة؛ والسنة بدعة، والعُرْف نُكراً. ولظلمه يجزي بالحسنة سيئة كاملة؛ وبالسيئة الواحدة عشراً.. تراه يركض في ميدان جهله مع الجاهلين؛ ويَبْرز عليهم في الجهالة فيظن أنه من السابقين.
إلا أن الفريق الأول أشد خطراً وأعظم ضرراً؛ لأنه عدو في صورة ناصح، ووليٌّ في مسلاخ بعيد كاشح؛ قد جعل عداوته لدين الله وأذاه لعباد الله حَذَراً وإشفاقاً؛ وتنفيره وتخذيله عن أولياء الله إسعافاً وإرفاقاً.. اتخذ بطر الحق وغمط الناس سلّماً إلى ما يحبه من الباطل ويرضاه؛ ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما وافق إرادته أو حالف هواه.. تراه يستطيل على أولياء الرسول وحزبه بأصغريه؛ ويجالس أهل الغي والجهالة ويزاحمهم بركبتيه.
فحريٌّ بالعين –تجاه كلتا الطائفتين- ألا تفتح؛ وأن يخف بهما الميزان فلا يرجح، وما أجدر اللبيب أن لا يعيرهم من قلبه بجزء من الالتفات؛ بل يسافر في طريق مقصده بينهم سفره إلى الأحياء بين الأموات.
أيها المسلمون.. إن مما تجرّأ عليه بعض الكتبة من كلا الفريقين؛ قضيةً معلومةً من دين الله بالاضطرار؛ ولا مجال فيها لحرية الرأي أو الاختيار: ألا وهي قضية تكفير الكافرين الذين كفّرهم الله من اليهود والنصارى والمشركين.
لقد ادعى هؤلاء الأفّاكون الأثيمون أن كلمة التوحيد لا تعني الكفر بالطاغوت وإفراد الله وحده بالعبادة، وأن دين الإسلام لا يكفّر من غير المسلمين إلا من كان محارباً له؛ أو حال بين الناس وبين أن يعتقدوا ما يشاؤون. بل وأعظم بعضهم الفرية فادعى أن الإسلام قد عدّ الكافرين غير المحاربين أنهم من الناجين يوم الدين: "كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً".
وإن هذه الكتابات يكاد من ورائها للإسلام والمسلمين؛ لأنها تسعى إلى تعطيل النصوص وتجرئةِ الناس عليها؛ وتنحيةِ شرع الله عن الحكم في جميع جوانب الحياة، وهدمِ ركن الولاء والبراء: "قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر"
أيها المسلمون.. إن مما علم من الدين اضطراراً: أن دعوة الرسول e عامة للثقلين؛ ومن لم يقرَّ بعموم رسالته فما شهد أن محمداً رسول الله، مثل من يقول : إنه رسولٌ إلى العرب، أو إلى غير اليهود والنصارى. وإن مقتضى عموم رسالته e أنه يجب على جميعِ البشر الإيمان به واتباعه. سواءٌ في ذلك الكتابيون اليهود والنصارى، أو الأميون وهم سائر الأمم. قال تعالى: "فإن حاجُّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعنْ وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد". وقال تعالى: "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً". وفي الصحيحين من حديث جابر t عن النبي e قال: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصةً ، وبعثت إلى الناس عامةً". وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة t عن النبي e قال: "والذي نفس محمدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة ؛ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ. ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار".
فكيف يصح لقائل بعد هذا أن يقول: إن من لم يشهد الشهادتين بعد بعثة النبي محمد e ينجو من عذاب الله؟!
عباد الله.. إن تكفير الكافرين الذين حكم الله بكفرهم من الأمور الضرورية في الدين؛ ومما جاء صريحاً في نصوص الوحيين وأجمع عليه عموم المسلمين؛ ويستوي في ذلك: إن كانوا محاربين أو غير محاربين.
قال تعالى: "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، وقال سبحانه: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ"، وقال سبحانه: "لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ".
قال ابن حزم: "واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفاراً"، وقال شيخ الإسلام: "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوّغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد e فهو كافر".
أيها المسلمون: وإن من أعظم القضايا المبنية على تكفير من حكم الله بكفرهم: أن من لم يكفّرهم أو توقّف في كفرهم أو شك فيه أو صحّح مذهبهم فهو كافر مرتكب لناقض من نواقض الدين، لأن الله قد حكم بكفرهم؛ وهذا يكذّب الله تعالى ويردّ قوله.
ولذا؛ فإنه لا يُحكم بإسلام المرء حتى يكفّر المشركين -سواء كانوا كفاراً أصليين كاليهود والنصارى أو ثبت كفرهم يقيناً كالباطنية والرافضة- وحتى يتبرأ منهم ويعاديهم. فإن توقف في ذلك أو شك فيه فهو كافر مثلهم.
قال القاضي عياض: "ولهذا نكفّر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده".
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر".
وقال الشيخ المجدد الإمام محمد بن عبدالوهاب في رسالته عن نواقض الإسلام: "الثالث –يعني من نواقض الإسلام-: من لم يكفّر المشركين أو شكّ في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر"اهـ.
وقال رحمه الله في الرسالة نفسها: "التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد e كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى فهو كافر".
وقال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: "فإن كان شاكاً في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكافر فهو كافر"اهـ.
فلا تثبت قدم امرئ على الإسلام حتى يجمع بين الكفر بالطاغوت وإخلاص العبادة لله وحده؛ ليستمسكَ بالعروة الوثقى وهي شهادة التوحيد: لا إله إلا الله.
وهذا ظاهرٌ جليٌّ في هدي أبي الحنفاء إبراهيم e الذي أُمرنا بالتأسي به؛ يقول الله سبحانه: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده"، وقال الله عنه: "قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون* أنتم وآباؤكم الأقدمون* فإنهم عدوٌ لي إلا ربَ العالمين"، وقال سبحانه: "وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون* إلا الذي فطرني فإنه سيهدين* وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون".
اللهم أحينا على الإسلام والسنة، وتوفنا على الإسلام والسنة.
بارك الله لي ولكم





الخطبة الثانية
أيها المسلمون. إن أعظم مقاصد الشريعة حفظ الدين، وتعظيم شعائره وشرائعه فلا يسوغ أن يعبث بدين الله، أو يستخف بالشرع المنزل، ولقد شرع الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قتل المرتد تحقيقاً لحفظ الدين كما في حديث ابن عباس y: أن النبي e قال: "من بدّل دينه فاقتلوه" أخرجه البخاري.
قال ابن تيمية: "فإنه لو لم يقتل ذلك –يعني: المرتد- لكان الداخل في الدين يخرج منه، فقتله حفظ لأهل الدين وللدين، فإن ذلك يمنع من النقض، ويمنعهم من الخروج منه".
ومع كل هذا: فإن علماء الشرع الملتزمين لحكمه لا يتشوّفون إلى تكفير الناس والحكم بردتهم؛ لكنهم لا يتوقفون عن بيان الأعمال الكفرية وتحذير الناس منها.
ولذا ترى أن منهج أهل السنة والجماعة جليٌّ وواضح في التفريق بين تكفير الفعل وتكفير الفاعل؛ إذ لا يلزم من كون الفعل كفراً أن يكون فاعله كافراً حتى تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي عنه الموانع؛ فإذا قامت عليه الحجة وبانت له المحجة ولم يرجع عن ذلك حُكم بردته واستتيب؛ فإن تاب وإلا قُتل مرتداً –نعوذ بالله من الخذلان-. وعلى هذا النهج سار علماء السنة حتى زماننا؛ فبيّنوه في أقوالهم؛ وعلى ضوئه أصدروا فتاويهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "فإنّ نصوصَ الوعيد التي في الكتابِ والسنة ونصوصَ الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوتَ موجَبِها في حقِّ المعيَّن إلاّ إذا وُجِدت الشروط وانتفَت الموانِع، لا فرقَ في ذلك بين الأصول والفروع".
وقال رحمه الله في كلام له نفيس: "وكنت أبين لهم أن ما نقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضًا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين‏.‏.. إلى أن قال: ثم الشخص المعين يلتغي حكم الوعيد فيه بتوبة، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة مقبولة‏.‏ والتكفير هو من الوعيد ، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة‏.‏ وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا‏.‏ وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال‏:‏ إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني‏.‏ ثم ذُرّوني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين‏.‏ ففعلوا به ذلك، فقال الله له‏:‏ ما حملك على ما فعلت‏؟‏ قال‏:‏ خشيتك فغفر له‏.‏ فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُرّيَ، بل اعتقد أنه لا يعاد‏.‏ وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك‏"اهـ.
وفي فتوى مشتركة لبعض علماء الدعوة السلفية ([1]): "ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة إذا قال قولاً يكون القول به كفراً؛ فيقال: من قال بهذا القول فهو كافر؛ ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها"اهـ.
وبعدُ –عباد الله- فإن الفتاوى التي صدرت بحق بعض الكتّاب هي محض الحق وعين الصواب؛ ولا كرامة لمن خالفها.. فإنها قد أفادت أن تلك المقالات قد تضمنت كفراً صريحاً؛ لكنها لم تحكم بكفّر كتّابها؛ وإنما طالبت بمحاكمتهم لإبانة الحق لهم وإقامة الحجة عليهم؛ ومن لم يرجع حُكم بردّته واستتيب فإن تاب وإلا قُتل مرتداً.
عباد الله.. وإن من شر البليّة ما يضحك.. حين ترى مجموعة من المثقفين المتسمين بالليبراليين تؤزّهم الشياطين أزّاً؛ يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً؛ يستدل جاهلهم بجهل أخيه على أن التفكير لا ينمو إلا في جوٍّ من حرية التعبير.
وما علم المساكين أن حرية الفكر لا تعني حرية الكفر؛ كما أنها لا تعني أن تتعدى على حرية غيرك أو تتسلط على حقه؛ سواء كان هذا الغير معيناً أو عامة المجتمع، ولذا فإن حريتك لا تعني أن تضرب غيرك ولا أن تشتمه ولا أن تهين كرامته أو تجرح مشاعره؛ حتى في قوانين الغرب؛ تجد تنظيمات صارمةً في حق من يقترف فعالاً تنافي الذوق العام أو تخالف الرأي العام؛ ولا يأذنون لمن صدرت عنه تلك المخالفات ولو احتج بالحرية المزعومة. فضابط الحرية: الشرع ولم يصل إلى حد التعدي على حريات الآخرين وحقوقهم.
ومع كل ما تقدم من نصوص الشريعة وكلام العلماء من وجوب محاكمة أمثال هؤلاء؛ فإن مجتمعنا مجتمع مسلم لا يقبل المساس بأي شيء حرمات الدين ومقدساته، وهو يرفض وجود مثل تلك الكتابات المنتنة لأنها تؤذي مشاعره وتخالف مبادئه؛ ولا يسمح بوجود مثل ذلك تحت مظلة الحرية الفكرية أو غيرها.
وأخيراً.. عباد الله.. فإن الواجب علينا جميعاً أن نغضب لله وندافع عن دين الله ونذود عن حرمات الله برفض مثل هذه الممارسات ونبذ أصحابها والرد عليهم، والمطالبة بتحكيم شرع الله فيهم ليرتدعوا ويعتبر غيرهم بهم.نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين؛ وأن يردّه إلى الحق رداً جميلاً.
([1]) هم كلٌ من: الشيخ عبدالله والشيخ إبراهيم ابنا عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن؛ والشيخ سليمان بن سحمان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق