السبت، 3 أبريل، 2010

بدعة المولد النبوي (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 29/2/1429هـ)
الخطبة الأولى
إن من أعظم نعم الله على الناس بعثة النبي e، بعثه الله على حين فترة من الرسل،فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل،وافترض على أهل الأرض طاعته. فكان e دعوةَ أبيه إبراهيم حين قال: "ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم". وكان بشرى أخيه عيسى حين قال: "يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يديّ من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد". وكان رؤيا أمه حين رأت في المنام قبل ولادته أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام.. عن أبي أمامة t قال: قلت: يا رسول الله. ما كان بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام". رواه أحمد والحاكم وإسناده صحيح.
ولقد تحققت في دعوته e تلك الصفات الثلاث، فكان إجابة لدعوة الخليل ومصداقاً لبشارة المسيح وتعبيراً لرؤيا أمه، جعله الله سراجاً منيراً استنارت به الأرض بعد ظلمتها، وجمع الله به الأمة بعد شتاتها، واهتدت به البشرية بعد حيرتها.. لقد أعاد e للحنيفية السمحة ملةِ إبراهيم صفاءها وضياءها، وأماط عنها ما علق بها من أوضار الجاهلية وضلالاتها، وجمع الله به كلمة الأمة بعد تفرقها، ثم لحق بالرفيق الأعلى؛ صلوات الله وسلامه عليه.
عباد الله..إن واجب كل مسلم نحو هذه النعمة العظيمة أن يشكر الله عليها بالتمسك بها والمحافظة عليها، وذلك باتباع هذا الرسول العظيم والاقتداء به، وأن نحبه أكثر مما نحب أنفسنا وأولادنا.
وإن من أعظم مظاهر طاعته ومحبته: فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"، "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا".
ويقول e: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". رواه الخمسة إلا النسائي. وكان e يقول في خطبته: "إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد e، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة". رواه مسلم عن جابر. ورواه النسائي بإسناد صحيح وزاد: "وكل ضلالة في النار". وعن عائشة: عن النبي e أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". متفق عليه، ولمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
فقد دلت هذه النصوص وغيرها على وجوب اتباع النبي e والنهي عن الابتداع، لأن الدين قد كمل بنص الله تعالى، فليس لأحد بعد ذلك أن يشرع شيئاً لم يشرعه الله في كتابه أو على لسان رسوله e، استحساناً من عقله الناقص أو اتباعاً لهوى ضال. ومن زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة –كما قال مالك رحمه الله-، وليس –والله- في الدين بدعة حسنة، بل إن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وحسبك بالبدعة قبحاً أن فيها اتهاماً للشريعة بالنقص، واستدراكاً على الله ورسوله.
عباد الله. ومما أحدثه بعض الجهلة والمغرضين من البدع: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وهو احتفال يقام في مثل اليوم الذي يُدعى أن النبي e ولد فيه.. وهو بدعة محدثة، وأمر منكر، وهو ممنوع مردود لوجوه:
أولها: أنه لم يثبت من طريق صحيح ولا حسن أن النبي e ولد في الثاني عشر من ربيع الأول. بل إن أهل السير قد اختلفوا في ذلك على أقوال: فمنهم من قال: ولد في ثانيه. ومنهم من قال: في ثامنه. وقال بعضهم: بل في عاشره. وقال طائفة: في الثاني عشر منه.
ثانياً: لو سلّم أن الرسول e قد ولد في اليوم المزعوم، فإنه لم يقم بهذا الاحتفال المزعوم في حياته، ولم يأمر به أصحابه بعد موته، بل ولم يأت ذلك في خبر صحيح ولا ضعيف.
ثالثاً: إن هذا الأمر المبتدع لم يقم به صحابة رسول الله e وهم أحب الناس لرسول الله e، ولم يؤثر عن أحدهم أنه أشار إليه أو استحبه لا من قريب ولا من بعيد. ولم يفعل هذا أصحاب القرون الثلاثة المفضلة جميعهم، وقد قال e: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم". متفق عليه. ولو كان هذا خيراً لسبقونا إليه
فخير شيء في اتباع من سلف وشر شيء في ابتداع من خلف
وخير الأمور السالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
وهذا الأمر إنما ابتدعه العبيدية الباطنية الذين ينسبون أنفسهم زوراً إلى فاطمة الزهراء فيتسمّون بالفاطمية.. أرادوا أن يغيروا على الناس دينهم وأن يجعلوا فيه ما ليس منه فأشغلوا الخلق بالبدع، لأن البدعة أسهل طريق لإماتة السنة.
رابعاً: إن في الاحتفال بذكرى المولد تشبهاً بالنصارى، لأنهم يحتفلون بذكرى مولد المسيح عليه الصلاة والسلام.. وقد جاء النهي عن التشبه بالمشركين صريحاً؛ كما عند مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي e قال: "خالفوا المشركين"، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح: "من تشبه بقوم فهو منهم".
خامساً: إن في الاحتفال بذكرى مولد الرسول e وسيلة إلى الغلو فيه والمبالغة في تعظيمه حتى يفضي ذلك إلى دعائه والاستغاثة به من دون الله؛ كما هو الواقع الآن في كثير ممن يحيون هذه البدعة، وقد نهى e عن الغلو في مدحه فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبدالله ورسوله" رواه البخاري.
سادساً: في إحياء هذه البدعة فتح لأبواب البدع الأخرى والاشتغال بها عن السنن، لأنه ما أحييت بدعة إلا بموت سنة. ولذلك قد صار دينُ كثير من أولئك المبتدعة ذكرياتٍ بدعيةً وموالد، يُحْيون فيها ذكرياتِ أئمتهم ومشايخهم، فلا يفرغون من مولد إلا ويشتغلون بآخر.و قد نتج عن ذلك الغلو في أولئك الموتى ودعاؤهم من دون الله.
ناهيك –بعد كل هذه الأوجه- عما يصاحب تلك الاحتفالات من المنكرات من اختلاط الرجال بالنساء والرقص والغناء والأعمال الشركية.
إني أرى بدع الموالد أصبحت داءً يهدد منهج الأخيار
فِرَقٌ مضلَّلةٌ تجسّد حبها للمصطفى بالشطح والمزمار
أنا لست أعرف كيف يجمع عاقلٌ بين امتداح نبينا والطارِ
اللهم إنا نسألك الإخلاص وحسن الاتباع، ونعوذ بك من الشرك والابتداع.
بارك الله لي ولكم.



الخطبة الثانية
لعل من يحيى هذه البدعة يتذرع بشبهة واهنة كبيت العنكبوت، فيرى أنه بهذه البدعة يعظّم النبي e ويحيى ذكره ويظهر محبته ويدعو إلى قراءة سيرته والتأسي به.
وهذه الشبهة باطلة قطعاً.. فإن تعظيم النبي e في طاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه، لا في البدع والخرافات والخزعبلات.. وقد كان أشدَّ الناس تعظيماً لرسول الله e صحابتُه y.. يقول عروة بن مسعود الثقفي لقريش: "والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكاً قط يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمدٍ محمداً. والله إن تنخّم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجسده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدّون النظر إليه تعظيماً له" رواه البخاري.
ومع كل هذا التعظيم؛ فما جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان مشروعاً ما تركوه.
وأما إدعاء إحياء ذكره فقد تكفّل الله بهذا وأحيا أمره ورفع ذكره، فإن ذكره يتجدد مع المسلم ويرتبط به في الأذان والإقام والصلاة والخطبة والوضوء، وكلما ردد الشهادتين أو صلى على النبي e. بل إن المسلم يُشرع له أن ينوي عند فعل الصالحات أن يقتدي برسول الله e فيها.
وأما دعوى حبه e، فإن محبته –لا شك- واجبة، وهي مقدَّمة على محبة النفس والولد والوالد.. لكنّ محبتَه في طاعته:
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
ومحبته e تقتضي إحياء سنته والعض عليها بالنواجذ، ومجانبة ما خالفها من الأقوال والأفعال.. ولا شك أن كل ما خالف سنته فهو بدعة مذمومة ومعصية ظاهرة وضلالة مفضية إلى النار.
حبُّ الرسول تمسكٌ بشريعة غراءَ في الإعلان والإسرار
حب الرسول تعلّقٌ بصفاته وتخلّقٌ بخلائق الأطهار
حب الرسول حقيقةٌ يَحيى بها قلب التقي عميقة الآثار
إحياء سنته إقامة شرعه في الأرض، دفعُ الشك بالإقرار
إحياء سنته حقيقة حبه في القلب في الكلمات في الأفكار
وأما دعوى قراءة سيرته والتأسي به، فإن ذلك مطلوب من المسلم دائماً في كل حياته.. وأما تخصيص يوم معين لذلك من دون دليل فإنه يكون بدعة، والبدع لا تُثمر إلا شراً وبعداً عن النبي e.
فخلاصة القول وزبدة الكلام أن الاحتفال بذكرى مولد النبي e -في أي صورة كان- بدعة منكرة يجب على المسلمين منعها والاشتغال بإحياء السنن والتمسك بها. اللهم إنا نسألك العمل بالسنة وحبَّها وحبَّ أهلها، ونسألك اجتناب البدعة وبغضَها وبغضَ أهلها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق