السبت، 3 أبريل 2010

فبما كسبت أيديكم (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 11/3/1425هـ)
الخطبة الأولى
في صدر الإسلام والعصور المفضّلة كان عدد المسلمين أقلَّ بكثير مما هم عليه الآن، ونسبتهم إلى سُكّان الأرض أقلَّ من نسبتهم إليهم الآن، ومع ذلك كان النصر والتأييد حليف أصحاب تلك القرون، وكانت الفتوحات تَتْرَى على دولة الإسلام أرضًا بعد أرض، وديارًا تتلوها ديار، حتى غَطّت دولة الإسلام مساحة شاسعة وأراضي واسعة من هذه المعمورة، وما لم يكن من الدول تحت حكمها اضطرّ أهلها لدفع الجِزْية للمسلمين.
أما في هذا الزمان فعدد المسلمين جاوز المليار، وهم خُمس سكان العالم، وفي بلادهم الثروات الطبيعية، بل بلادهم أغنى البلاد في مقدّراتها ومكنوناتها، ومع ذلك فلا ترى أمة تتجرّع الذل والهوان ـ مع كل هذه الإمكانات ـ كأمّة الإسلام. تسلّط عليهم الأعداء، بل تسلّط عليهم أحقر خلق الله وأجبنهم وهم اليهود، ومع ذلك فكثير منهم كأنّ الأمر لا يعنيهم، بل لا يزالون يتنازعون ويتصارعون على متاع الدنيا الزائل ونعيمها الفاني.
لقد تسابق كثير من المسلمين إلى أصفار المليار؛ ليقوموا مقامها، وقنعوا بذلك، ورضوا به، فركنوا إلى الدنيا وملذّاتها، وأعرضوا عن طريق الله القويم وصراطه المستقيم، وما سعوا إلى جمع كلمتهم وتوحيد صفهم ضد عدوهم؛ فصاروا إلى ما صاروا إليه الآن.
أيها المسلمون، إن ما يصيب المسلمين من المحن والبلايا والفتن والرزايا لهو بسبب أنفسهم وما اكتسبته أيديهم، إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].
إن الذنوب ـ عباد الله ـ باب كل شرّ وطريق كل فتنة، حتى ولو كانت من الصغائر، بل ولو ذنبًا واحدًا.
لقد أُخرج آدم من الجنة بمعصية واحدة ارتكبها، وهي الأكل من الشجرة التي نُهي عنها، ولُعِن إبليس وطُرِد حين عصى وأبى أن يسجد لآدم، ودارت الدائرة على المسلمين يوم أُحد وفيهم رسول الله حين عصى الرماةُ أمرَه، ونزلوا عن الجبل دون أمره، وكان أَمَرَهم أن لا ينزلوا حتى يكون هو الذي يأمرهم، وحين أعجبتهم كثرتهم يوم حُنَين حتى قال قائلهم: لن نغلب اليوم من قِلّة فلم تُغنِ عنهم كثرتهم شيئًا، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولّوا مُدْبِرين، ثم أنزل الله نصره على رسوله وعلى المؤمنين.
عباد الله، لقد توافرت النصوص وتضافرت في التحذير من الذنوب وبيان شيء من آثارها السيئة، وأنها كانت سبب العقاب والهلاك الذي حَلّ بالأمم السابقة.
في المسند وابن ماجه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله فأقبل علينا بوجهه فقال: ((يا معشر المهاجرين، خمسُ خصالٍ إذا ابتُلِيتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدْركوهنّ: ما ظهرتِ الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلاّ ابتُلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قومٌ المكيالَ والميزان إلا ابتُلوا بالسنين وشدَّة المُؤْنة وجَوْر السلطان، وما منع قومٌ زكاةَ أموالهم إلاّ مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطروا، ولا خفَر قومٌ العهدَ إلا سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم، وما لم تعملْ أئمتُهم بما أنزل الله جل وعلا في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم))، وفي المسند أيضًا من حديث أم سلمة: ((إذا ظهرت المعاصي في أمّتي عمَّهم الله بعذاب من عنده))، وفيه أيضًا عنه أنه قال: ((جُعِلت الذلة والصغار على من خالف أمري))، وعن أبي هريرة قال: قال النبي : ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكَلَة إلى قصعتها))، قال قائل: ومن قِلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: ((لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنّكم غُثاء كغُثاء السيل، تُنْزع المهابة من قلوب عدوكم، ويُجعل في قلوبكم الوهن))، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)) رواه أبو داود.
ولقد تفطّن السلف الصالح إلى آثار المعاصي فحَذِروها وحذّروا منها، استمعوا إلى الصديق يبعث جيشًا فيوصيهم: (إنكم لن تُنصروا على عدوكم إلا بعد تقرّبكم من الله وبعدهم عنه، فإذا تساويتم ـ يعني: في المعاصي ـ كانت الغلبة لأكثركم عدة وعتادًا).
وعمر يوصي سعد بن أبي وقاص يوم بعثه إلى القادسية: (آمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، وعدّتنا ليست كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة) اهـ.
ولما تزلزلت المدينة قال عمر : (إن الله يستعتبكم فأعتبوه)، ثم قال: (والله لئن عادت مرة أخرى لا أساكنكم فيها).
إن المعاصي ـ عباد الله ـ تُهِين المرء على الله، وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18]، قال الحسن رحمه الله: "هانوا عليه فعصوه، ولو عزّوا عليه لعصمهم". ولما بكى أبو الدرداء يوم فتح قبرص فقيل له: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟! قال: (ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة ظاهرة قاهرة لهم الملك فصاروا إلى ما ترى).
وإذا هان الخلق على الله لم يعبأ بهم ولم يجب دعوتهم، روى الترمذي وغيره عنه أنه قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عذابًا من عنده، ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم)).
اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شرّ أنفسنا.
بارك الله لي ولكم




الخطبة الثانية
إن الحال التي نعيشها في بلادنا اليوم توجب علينا أن نراجع أنفسنا، ونتأمّل فيما اقترفته أيدينا من الذنوب.
لقد كنا نعيش جسدًا واحدًا، همّنا وسعينا وهدفنا واحد، آمنين مطمئنين، فأصبحنا نجد بين أظهرنا أحزابًا وجماعات ما خطر بأذهاننا أنها ستكون، يكفِّر بعضها بعضًا، ويبدّع بعضها بعضًا. وما كنا نحلم مجرد حلم أن يحصل ما حصل من تلك الأعمال التخريبية الإجرامية، حتى إن الأبرياء يُستهدفون بلا جُرْم ارتكبوه. لو قيل لأحدنا أن يتخيل قبل عقد من الزمان أو عقدين أن تكون حالنا كما هي عليه الآن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
إن ما وصلت إليه حالنا ـ عباد الله ـ هو بسبب أنفسنا، وما أصابنا فبما كسبت أيدينا، ويعفو الله عن كثير.
انتشرت وسائل الخنا والعُهر والفجور بكافة أشكالها وألوانها: القنوات الفضائحية، والبرامج الساقطة، والمجلات الهابطة التي تدعو إلى إقامة العلاقات المحرمة بين الفتيان والفتيات، وارجعوا إلى مراكز الهيئات لتروا القضايا بأنواعها، والتي خلّفتها تلك الوسائل المجرمة.
وتساهَلَ كثير من الأولياء في تربية أولادهم وأهليهم، فصرنا نرى الملابس النسائية الضيّقة والعارية، والعباءات المُزَرْكَشة والمُخَصّرة، وترجّلت كثير من النساء حتى صرن يزاحمن الرجال في مواقعهم الخاصة بهم، وصار طبيعيًا أن تظهر المرأة بكامل زينتها على شاشات التلفاز مذيعة أو مراسلة، فهل انتهى الرجال وعُدموا حتى تقوم المرأة بهذه المهمة التي تنافي حياءها وحشمتها؟! بل والله انقلبت الحال فصار الرجال هم الذين يلزمون حافات الطريق والنساء يسلكن وسطه!
وعلى العكس، تأنّث كثير من الشباب، فصاروا يلبسون المُخَصّر والضيّق، وأصبح هَمّ أحدهم مظهره وزِيّه، يبقى أمام المرآة وعند الحلاّق وقتًا طويلاً يُزيّن وجهه وشعره. جاهر كثيرون بمعصية الله، وما عادوا يبالون بغضب الله وغيرته حين ترتكب محارمه.
أصبحنا نقرأ ونسمع كثيرًا من أبناء المسلمين ـ أحفاد الصحابة رضي الله عنهم ـ من يهزأ بشيء من دين الله أو ينتقصه أو ينسب تخلّف المسلمين وتأخّرهم إلى تمسّكهم بدينهم وتشبّثهم به، ويصف شعائر الدين بأنها عادات بالية وتقاليد قديمة.
وأجلب كثير من جنود الشيطان من المحسوبين على المسلمين بِخَيلهم ورَجِلِهم ـ وهو دَيْدنهم في الفتن ـ فطالبوا بإظهار المرأة من بيتها، وإقامة الأندية الرياضية لها، ومشاركتها في المحافل المحلّية والإقليمية والدولية؛ زاعمين أنّ في هذا رَدًّا على أعدائنا الذين يَصِمُوننا بالمتزمِّتين المتشدِّدين، ومواكبة للحضارة والمدنية السائدة، وأنه من إعطاء المرأة حقوقها. فنسأل الله السلامة من حال هؤلاء مُنْتَكِسِي الفِطَر والعُقُول.
إنّ أعداءنا وأذنابهم من العلمانيين والمنتسبين إلى الإسلام لن يهنأ لهم بال حتى يروا دُور السينما والنوادي الليلية وبيوت الزنا منتشرة في هذه الأرض الطاهرة، ويُباع الخمر عَلنًا، ويُشرب على الموائد بجوار الحرمين الشريفين، وتَسِير المرأة سافرة عن ثُلُثيّ جسدها بكامل زينتها في الشوارع. ويتمنّون أن ينبذ الناس كتاب الله وراءهم ظِهْرِيًّا، وأن يحكّموا القوانين الوضعيّة، وتُعطَّل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عباد الله، إن طريق الإصلاح الحقيقي لحالنا التي وصلنا إليها يبدأ من إصلاح المرء لنفسه أوّلاً، ثم لأهل بيته، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أوجب الله. فإذا أصلح كل إنسان بيته صار المجتمع ـ بإذن الله ـ صالحًا، وكان رجاله ونساؤه وشبابه وفتياته دِرْعًا واقيًا من تسلّل الفساد أو انتقال جرثومته إليه.نسأل الله أن يصلح شباب المسلمين وفتياتهم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق