السبت، 3 أبريل 2010

الولاء والبراء (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 16/5/1423هـ)
الخطبة الأولى
فإن الولاء والبراء مما يستلزمه التوحيد وتقتضيه (لا إله إلا الله).. فمن أصول العقيدة الإسلامية: محبة أهل الإسلام وموالاتهم وبغض أهل الشرك والكفر والنفاق ومعاداتهم.. يقول الله تعالى: "ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء".. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فذكر جملة شرطية تقتضي أنه إذا وُجد الشرط وجد المشروط بحرف (لو) التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فدل ذلك على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده، لا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه.اهـ. وقال ابن كثير رحمه الله: "لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسل والفرقان لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه"اهـ.
إن قضية الولاء والبراء من الإيمان؛ بل هي شرط من شروط الإيمان؛ وهي من ملة إبراهيم عليه السلام، قال الله تعالى: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده".
عباد الله.. لقد أمر الله تعالى عباده بموالاته وموالاة رسوله والمؤمنين وحذر أشد التحذير من موالاة أعداء الدين.. يقول الله تعالى: "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"، وقال سبحانه: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض".. وقال جل شأنه: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"، وقال سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا لا تخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين"، وقال عز اسمه: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء"، وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق". والآيات في هذا الباب كثيرة جداً؛ يقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله: "إنه ليس في كتاب الله حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم –يعني الولاء والبراء- بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده"اهـ.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله" رواه أحمد وصححه الألباني. وعن جرير بن عبدالله رضي الله عنه أنه بايع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين" رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني. وفي لفظ "وتبرأ من كل مشرك".
عباد الله.. لأجل ما تقدم من النصوص وغيرها -مما يعز حصره ويضيق المقام عن ذكره- فإن من خالف أمر الله ورسوله فوالى أعداء الله أو عادى أولياء الله فهو على خطر عظيم؛ إن سلم من الردة عن دين الله –نعوذ بالله-.
فمن خطر هذا الفعل أنه من صفات المنافقين؛ قال الله عنهم: "بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتعون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا". قال الشيخ ابن سعدي: "وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين.. ساء ظنهم بالله وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي عند الكافرين وقصر نظرهم عما وراء ذلك فاتخذوا الكافرين أولياء يتعززون بهم ويستنصرون…" ثم قال: "وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين وترك موالاة المؤمنين وأن ذلك من صفات المنافقين. وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين وعداوتهم"اهـ.
وموالاة الكافرين سبب لحلول سخط الله وعقابه؛ قال تعالى في ذكر الصفات التي أوجبت لعن من لُعن من بني إسرائيل: "ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون". قال ابن كثير: "يعني بذلك موالاتهم للكافرين وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقاً في قلوبهم وأسخطت الله عليهم سخطاً مستمراً إلى يوم معادهم"اهـ.
ويقول سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً" يعني حجة عليكم في عقوبته إياكم.
وفي موالاة الكافرين –يا عباد الله- براءة من الله؛ قال تعالى: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة". فنهى سبحانه المؤمنين وحذرهم أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وآذنهم بأن من فعل ذلك فهو برئ من الله والله برئ منه، ثم استثنى سبحانه فقال: "إلا أن تتقوا منهم تقاة" أي إن خفتم على أنفسكم فلكم الرخصة في المسالمة والمهادنة باللسان دون التولي الذي هو النصرة ومحبة القلب.. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إنما التقية باللسان". وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "إنا لنكشر –يعني نبتسم- في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم".. ثم حذّر الله من نقمته وسطوته في عقابه وأليم عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه.
ومن برئ من الله وبرئ الله منه فهو ولي من والى: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم".
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في الإمكان
عباد الله.. وموالاة من استحب الكفر على الإيمان من أقبح الظلم ولو كان أقرب قريب، يقول الله جل شأنه: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون"، لأنهم تجرؤوا على معاصي الله واتخذوا أعداء الله أولياء. وقد أمر الله من وقع في هذا الظلم أن يتربص أمر الله وعقابه الذي لا مرد له، فقال في الآية التي بعدها: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم… إلى أن قال: ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره". فلا يستقيم للعبد إسلامه –كما قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب- ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء.. يقول تعالى: "لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون". فهل بعد كل هذا التحذير والتهديد والوعيد نرى من المسلمين من يوالي أعداء الدين ببعض ألوان الموالاة وأشكالها؛ زاعمين أن الولاء والبراء منافٍ للمساواة البشرية؛ وأن فيه من الغلظة والجفاء ما لا يتواكب وتقدم الإنسانية.
نعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى؛ وأن نستبدل البصيرة بالعمى..
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية
إن الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين باب عظيم من الدين؛ فينبغي الحذر كل الحذر من أن يقع المرء في ما يناقض هذا الباب؛ فتزل قدمه ويقع في الهاوية؛ لأن من مظاهر موالاة الأعداء المحرمة ما يقضي على الإنسان بالردة عن الإسلام.
ومن تلك المظاهر المحرمة: التولي العام والمودة والمحبة الخاصة، والركون إليهم ولو شيئاً قليلاً، فإن الله قال لنبيه: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً إليهم قليلاً * إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا".. فإن كان هذا الجزاء لأشرف الخلق صلى الله عليه وسلم إن ركن إلى الأعداء ولو شيئاً قليلاً، فكيف بسائر الخلق والذين يركنون إلى عدوهم أمداً طويلاً؟!.
ومن المظاهر: مداهنتهم وتقريبهم في المجالس ومشاورتهم وطاعتهم واستعمالهم في أمور المسلمين واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين ومجالستهم ومزاورتهم ومصاحبتهم ومعاشرتهم والسكنى معهم في ديارهم..
ومن الصور في الوقت الحاضر: السفر إلى بلاد الكفار لغير حاجة ودون علم يرد الشبهات ودين يدفع الشهوات.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا برئ من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين" رواه أبو داود والترمذي وحسنه الألباني.
ومما عمت به البلوى وهو من هذا القبيل جلب العمل والخدم من غير المسلمين.. وقد روى الإمام أحمد عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لي كاتب نصراني. فقال: ما لك قاتلك الله؟! أما سمعت قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء" ألا اتخذت حنيفاً –يعني مسلماً-. قال أبو موسى: لي كتابته وله دينه. فقال عمر: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم وقد أقصاهم الله.
ويعظم الجرم ويكبر الذنب إذا كان جلب هؤلاء الكفرة إلى جزيرة العرب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" رواه البخاري
ومن تلك الصور: ما نراه في واقع كثير من المسلمين –خصوصاً الشباب منهم- تعلقهم ببعض اللاعبين والمغنين الكفرة الذين لا يألوننا خبالاً، ومع ذلك تجد بعض المسلمين –هداهم الله- يمجّد هؤلاء ويبجلّهم ويكنّ لهم كل مودة وتقدير.. وربما فضّل أحدهم هذا الكافر على أحد المسلمين لأنه يفضل أغانيه أو يعشق فنه الرياضي. بل إن الحال بلغ ببعض الناس فتشبهوا بهم.. وبهذا جمعوا جرماً إلى جرمهم وذنباً إلى ذنبهم؛؛ فليحذروا قول الله تعالى في يوم القيامة: "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله" وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب" رواه الشيخان وقوله عليه الصلاة والسلام: "من تشبه بقوم فهو منهم" رواه أبو داود وصححه الألباني. ويا للأسف.. فما بلغ بهؤلاء الحال إلى ما هم عليه إلا لما ضعف الدين في قلوبهم وخبت نار العقيدة في نفوسهم.. ويرحم الله ابن عقيل حين قال: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة.. عاش ابن الراوندي والمعري ينظمون وينثرون كفراً، وعاشوا سنين؛ وعظمت قبورهم؛ واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب"اهـ. اللهم إنا نسألك موالاتك وموالاة أوليائك ومعاداة أعدائك..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق