السبت، 3 أبريل 2010

الهمة لكأس العالم (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 13/5/1427هـ)
الخطبة الأولى
فها قد حانت ساعة الصفر، واشرأبت الأعناق نحو الحدث العظيم، وانحرفت رؤوس العالمين إلا من رحم الله إلى هناك لتتابع أهم أحداث الساعة وأبرز أخبار البشرية، فلا تكاد تتابع قناة أو تستمع إلى إذاعة أو تطالع صحيفة، ولا ترى منشوراً أو إعلاناً إلا وفيه دعوة لمتابعة هذا الحدث المهم في تاريخ الإنسانية، بل ربما توشك أن ترفع حجراً فتجد تحته دعوة مماثلة!!
كل جهة تسابق وتدعي أنها الأفضل: تقدم لك الصورة الواضحة والتحليل الدقيق للحدث، بل وتدعّم ذلك بكل الوسائل التي تمكّن من متابعة هذه المناسبة لحظة بلحظة.
وتتوالى العروض تستهدف أبناء المسلمين لتشغله بهذه الترّهات والتفاهات؛ خاصة وأنها وجدت من كثير منهم تقبلاً، بل وإقبالاً، إضافة إلى أنها جاءت في وقت مهم هو الإجازة..
عروض أكثر تفاهة تقبلها عقول أشد سفاهة، ارفع رأسك تظفر بمتابعة نصف الحدث، وأغمض إحدى عينيك تفز به كاملاً، وإن تجشمت المشقة فجمعت بينهما فزت برحلة العمر إلى هناك، لتكون –كما زعموا- قريباً من الحدث، وليس الخبر كالمعاينة..
لقد تسببت مثل تلك الصيحات والدعايات في حشو أذهان شبابنا؛ بل وفتياتنا؛ بثقافة سقيمة ومعلومات ملوثة؛ الجهل خير من العلم بها، حتى إنك لو تسأل أحداً منهم عن مغمور من اللاعبين الكفرة لأسمعك نبذة عن سيرته وملفاً خاصاً عن مشواره الرياضي، وربما أهداك وأتحفك بشيء من ألقابه وموافقه، ولو رحت تسأله عن أحد العشرة المبشرين بالجنة –ما خلا الخلفاء- لأطبق شفتيه ورفع كتفيه قليلاً ثم أنزلهما كناية عن (لا أدري)، ومن قال: لا أدري، فقد أفتى.. وربما لو كان ذا ثقافة أوسع قليلاً أو تذكّر شيئاً من أرشيفه الدراسي لسمّى لك أحد نتنى المشركين يوم بدر أو تلعثم في ذكر أحد ملوك بني أمية أو العباس، وهو في ذلك شامخ بأنفه رافع رأسه أي بأني؛ ولا يدري لعمرك ما طحاها..
فهل أصبحت عقولنا وعقول أبنائنا في أقدامنا؟! وهل سمت هممنا وهمم شبابنا وفتياتنا حتى كانت في متابعة مثل هذه الترهات؟!
إن شباباً همّ أحدهم إضاعة الأوقات في متابعة مثل هذه السفاهات، وطموحه أن يكون بين أولئك اللاهين السادرين، بل وأن يتفوق عليهم بكونه الأغلى فيهم أو الأغنى،، إن شباباً تلك أوصافه لحريٌّ بالأصلاب أنها عقمت وما أنبتته؛ وبالأرحام أنها عجزت وما أنجبته..
هل نرجو جمع كلمة المسلمين وتحرير أقصاهم ومقدساتهم بهؤلاء؟! أو أن ندافع عن أعراضنا وأراضينا بهؤلاء؟! أو أن ننشر دين الله ونلقم أهل الشبه والأهواء الحجر بهؤلاء؟!
عباد الله.. إن لزاماً علينا في خاصة أنفسنا ومن ولانا الله أمرهم من البنين والبنات أن نشحذ الهمم لنبلغ القمم، ونرتقي بالأمنيات والغايات لتبلغ أعلى المقامات، وذلك بالاقتداء بأهل الهمم العالية والشيم الأصيلة الغالية: صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم.
لقد بلغوا رضي الله عنهم بهممهم الجوزاء، وسموا بنفوسهم حتى جاوزوا عنان السماء
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
لقد كانت نفوسهم كباراً، لكنهم حديثون في الأسنان..
هذا عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يسمو قلبه وترتقي نفسه إلى الجنة؛ يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة"، فلا يهدأ له بال حتى يتبع ذلك الرجل ويبيت عنده ثلاث ليال ليعرف السبب الذي جعله من أهل الجنة.
وهذا ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه يقول: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: "أو غير ذلك؟"، قلت: هو ذلك. قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود".
وعمير بن أبي وقاص رضي الله عنه، تسمو نفسه فيبتغي الجنة ويستشرف لها حتى نالها شهيداً يوم بدر.. يقول أخوه سعد رضي الله عنه: رأيت أخي عميراً قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟ قال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني فيردني وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال سعد: فعُرض على رسول الله فاستصغره فردّه، ثم بكى فأجازه، قال سعد: فكنت أعقد له حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ست عشرة سنة.
ونموذج آخر فريد أشد ندرة من الكبريت الأحمر، لأم ترتقي همتها للجنة فتُتبِعها ولدَها أعزَ ما لديها وتربيه لذلك.. يقول أنس: أصيب حارثة بن النعمان يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله.. قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تك الأخرى ترى ما أصنع؟ فقال: "ويحك يا أم حارثة، هبلت؟ أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في جنة الفردوس.. رواه البخاري..
تربية لأجل الجنة، وهمة تسمو إلى الجنة، بل إلى الفردوس الأعلى ومرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم..
اللهم اجمعنا بهم واحشرنا في زمرتهم،، إنك خير مسؤول..
بارك الله لي ولكم..



الخطبة الثانية
لقد خاطب الدين أتباعه مطالباً إياهم بالمسارعة والمسابقة وترك العجز والخمول والابتعاد عن الهمم الدنيئة الضعيفة..
عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تَفَجّرُ أنهار الجنة" رواه أحمد والبخاري.
بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها حارث وهمام" قال بعض السلف: كانت تلك الأسماء أصدقها لأن الإنسان لا يخلو من كسب وهمّ، والهم مبدأ الإرادة، ويترتب على الإرادة الحركة والكسب.
عباد الله.. لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولي همم سامية،، روى البخاري عن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، إذ قال لي أحدهما سراً من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي، ما تصنع به؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، ثم غمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه..
لقد سمت هممهما حتى لم يكتفيا إلا برأس الكفر وفرعون الأمة أبي جهل؛ دفاعاً عن دين الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد سطر ذلك الجيل الفذ أروع الأمثلة في جبين التاريخ، وقد أبوا إلا أن يكتبوا هذه النماذج السامية والهمم العالية في صفحات المجد، وإن مآثرهم لتكتب بماء الذهب؛ بل بماء العين الذي إذا ذهب انطفأت، شاء من شاء وأبى من أبى..
اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا، ووفقهم لشغل أوقاتهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق