السبت، 3 أبريل، 2010

الظلم (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 9/5/1423هـ)
الخطبة الأولى
إن الحضارات الإنسانية لا تبلغ أوج عزها، ولا ترقى إلى عز مجدها إلا حين يعلو العدل تاجها، ويتلألأ به مفرقها. تبسطه على القريب والغريب، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والحاضر والباد.
والعدل تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، والفطر السوية. وتمدح بادعاء القيام به ملوك الأمم وقادتها، وعظماؤها وساستها.
إن حسن العدل وحبه مستقر في الفطر، فكل نفس تنشرح لمظاهر العدل مادام بمعزلٍ عن هوى يغلبها في قضية خاصة تخصها.
لقد دلت الأدلة الشرعية وسنن الله في الأولين والآخرين أن العدل دعامة بقاء الأمم، ومستقر أساسات الدول، وباسط ظلال الأمن، ورافع أبنية العز والمجد، ولا يكون شيء من ذلك بدونه.
والقسط والعدل هو غاية الرسالات السماوية كلها: "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"
إذا قام العدل في البلاد عمَّر، وإذا ارتفع عن الديار وحلّ الظلم دمَّر. إن الدول لتدوم مع الكفر مادامت عادلة، ولا يقوم مع الظلم حقٌ ولا يدوم به حكم."
عباد الله: إن الظلم أساس الفساد في المجتمع؛ وفي الأرض عامة.. بل كان سبباً في إهلاك أمم وإزالتها عن الوجود: "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا"، "فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا"، ولقد حفل التاريخ في قديمه وحديثه بشواهد قائمة على ذلك.
ولشناعة هذا الذنب تنزّه الله عنه فقال: "وما أنا بظلام للعبيد"؛ "وما الله يريد ظلماً للعباد"؛ "إن الله لا يظلم مثقال ذرة". ونهى عنه عباده فقال كما في الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا… الحديث".
ولقد توعد الله الظالمين فقال: "ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار"، وقال جل شأنه: "يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار". وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملي للظالم؛ فإذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد".متفق عليه. وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه وصححه الألباني.
ونهى جل شأنه عن الركون إلى الظالمين: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار". بل بيّن سبحانه أن عقوبة ظلم الظلمة لا تقتصر عليهم فحسب؛ بل يتعدى شؤمها إلى غيرهم من الناس؛ قال جل شأنه: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".
فالظلم عباد الله من أخطر ما يسبب النكبات والويلات والأزمات على البشرية؛ وهو مؤذن بزوال الدول وخرابها.. قال ابن خلدون رحمه الله: "واعلم أن هذه هي الحكمة المقصودة للشارع في تحريم الظلم وهو ما ينشأ عنه من فساد العمران وخرابه؛ وذلك مؤذن بانقطاع النوع البشري…ثم قال: فلما كان الظلم كما رأيت مؤذنا بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران كانت حكمة الخطر فيه موجودة فكان تحريمه مهماً وأدلته من القرآن والسنة كثيرة"اهـ.
ومن عظم الظلم عند الله عز وجل، فإنه لما حرّم ذكر عيوب الناس؛ أباح للمظلوم أن ينشر مظلمته حتى إذا نزل بالظالم عذاب الله عز وجل علم الناس أن ذلك من شؤم الظلم فانزجروا عن مثله. قال عز وجل: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم". قال ابن هبيرة رحمه الله: إن المظلوم إذا شكا إلى الله تعالى اقتضى عدلُ الله الإيقاع بظالمه، فيحب الله سبحانه وتعالى أن يجهر المظلوم بالشكوى ليكون المُقدَّرُ والإيقاعُ بالظالم مبسوطَ العذر عند الخلق وزاجراً لأمثاله عن أمثال فاعله؛ وإنما يمهِل الظالم … … ولولا هذا لما كنت أطمع للظالم أن يؤخَر الإيقاع به طرفة عين. اهـ
والظلم ذنب عظيم وجرم خطير ولو في شيء يسير.. روى مسلم في صحيحه عن إياس بن ثعلبة الحارثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرّم عليه الجنة" فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: "وإن قضيباً من أراك". وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ظلم من الأرض قيد شبر طوقه من سبع أرضين" متفق عليه.
وليعلم الظالم أنه لا بد من تأدية الحق للمظلوم؛ –شاء أم أبى- في الدنيا برد المظلمة أو في الآخرة بالقصاص بين الحسنات والسيئات. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتؤدَّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". رواه مسلم. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه" رواه البخاري.
بارك الله لي ولكم..




الخطبة الثانية
ومع كل تلك العظائم التي تحيط بالظلم وأهله؛ فإن هناك أمراً جللاً وخطباً جسيماً يحدق بالظالم وهو دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم –ولو كان كافراً- مستجابة وليس بينها وبين الله حجاب؛ والله جل وعلا يقول لها: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة بعث معاذ إلى اليمن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" متفق عليه.. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم ودعوة المظلوم ودعوة المسافر" رواه البيهقي في الشعب وصححه الألباني. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً فإنه ليس دونها حجاب" رواه أحمد وحسنه الألباني.وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا دعوة المظلوم فإنها تُحمل على الغمام يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" رواه الطبراني وصحح الألباني إسناده.
كم من سلطان يتفاخر بسلطانه أزال لله سلطانه وأذهب الله ملكه بدعوة مظلوم؟!
وكم من غني يتباهى بكنوزه افتقر وركبته الديون ولزمته الهموم بدعوة مظلوم؟!
وكم من قوي صحيح يتبجح بقوته ضعف وهاجمته الأمراض فأصبح طريح الفراش أمداً طويلاً بدعوة مظلوم؟!
أتهزأ بالدعاء وتزدريــه وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطي ولكن لها أمد وللأمد انقضــاء
إنها دعوة محترق سرت في جوف الظلام؛ فصعدت كأنها شرارة حتى تجاوزت الغمام؛ والظالم نائم؛ فتكفل بنصرتها القيوم الذي لا ينام..
إنها دعوة مسكين رفع بها يديه وسال بها الدمع من عينيه لم يعبأ بها الظالم ففتحت لها أبواب السماء واستجاب لها سميع الدعاء..
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا فالظلم آخره يأتيك بالنـــدم
واحذر أُخي من المظلوم دعوته لا تأخذنْك سهام الليل في الظلم
تنام عيناك والمظلوم منتبــه يدعو عليك وعين الله لم تنــم
شكت امرأة سعيد بن زيد رضي الله عنه إلى مروان بن الحكم وقال: إنه قد أخذ حقي واقتطع من أرضي، قال: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة" ثم ترك لها ما ادعت وقال: اللهم إن كانت ظلمتني فأعم بصرها واجعل قبرها في أرضها. قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجُدُر تقول: أصابتني دعوة سعيد، وبينما هي تمشي في أرضها وقعت في بئر فكان قبرها.. رواه مسلم. اللهم صل وسلم على محمد ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق