السبت، 3 أبريل 2010

نعمة الأمن (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 25/3/1425هـ)
الخطبة الأولى
إن مما لا شك فيه أنّ الأمن من أهمّ مطالب الحياة، وهو ضرورةٌ لكلّ جهد بشريّ لتحقيق مصالح الأفراد والمجتمعات وأهدافها وتطلّعاتها، ولا تزدهر حياةٌ وتسعَد نفس ويهنأ عيش إلا بالأمن والاستقرار، وما يأتي بعده من النعم فإن النفس لا يمكن أن تهنأ بها من دون الأمن.
بالأمن تصلح الحياة، وتنبسط الآمال، وتتيسَّر الأرزاقُ، وتزيد التجارات. الأمنُ تفشو معه الماشية، وتكثر الأمّة. الأمن تتقدَّم معه التنمية، وينتشر فيه العلمُ والتّعليم، ويعزّ فيه الدين والعدل، ويظهَر فيه الأخيارُ على الأشرار، وتوظَّف فيه الأموال في كلِّ مشروع نافعٍ للفرد والمجتمع. والأمن تُحقَن فيه الدّماء، وتُصَان الأموال والأعراض، وتنام فيه العيون، وتطمئنّ المضاجع، يتنعَّم به الكبير والصغيرُ والإنسان والحيوان. فالأمن مِن نعم الله العظمى وآلائه الكبرى، لا تصلُح الحياة إلا به، ولا يطيب العيش إلا باستتبابِه، ولذلك جعَله الله من نَعيم أهلِ الجنّة الدائم، قال الله تعالى: ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ [الحجر:46].
لقد أنعم الله على كثير من الأمم بهذه النعمة نعمة الأمن، لكنهم لما كفروا نعمة الله وأعرضوا عن شرع الله عاقبهم الله فأبدل أمنهم خوفًا، فلا تسل عما يحلّ بهم بعد ذلك، يقول الله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112]، وقال سبحانه عن سبأ: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ:18، 19].
ولقد امتنّ الله بهذه النعمة على ساكني مكة فقال: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص:57]، فلكونه آمنًا جُلِبت إليه ثمرات كل شيء؛ لأن المكان الآمن يُطمأن إليه، ويُطمأَن للبيع والشراء فيه والبقاءِ فيه؛ لأنه الآمن، فتتحقق به مصالح الناس، وقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [العنكبوت:67]. فبيّن لهم نعمته بالأمن عليهم، وأنّ غير سكان الحرم بالذات يُتخطّفون يمينًا ويسارًا، في قلق واضطراب، وهم بكونهم في البيت الحرام في أمان واستقرار، فالله يذكرهم تلك النعمة، ليعرفوا قدرها، ويقوموا بحقها وواجبها.
ولقد كان ذلك الأمن ببركة دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ [البقرة:126]. وتأمّلوا ـ يا رعاكم الله ـ كيف رتّب الرزق على الأمن؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يسعى في طلب رزقه وهو غير آمن، ولذا فكثيرًا ما يقرن الله بين هاتين النعمتين في مثل هذه الآية، وفي مثل آية النحل المتقدمة: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ [النحل:112]، وفي قول الله تعالى لقريش: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3، 4]. وقد جاء في حديث عبيد الله بن محصن الأنصاري أن النبي قال: ((من أصبح آمنا في سِرْبه مُعافًى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذَافِيرها)) رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وهو حديث حسن.
عباد الله، لقد جاءت تحذيراتُ الشريعة القاطعة وأصولُها الجامعةُ بالنهي الأكيدِ والتحريم الشديد عن كلّ عدوان وإفسادٍ يخلّ بالأمن أو يؤثّر على الاستقرار، قال جلّ وعلا: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]، وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81].
ولأهمية توفر الأمن شرعت الشريعة الأحكامَ الوقائيّة والدفاعية بلا إفراط ولا تفريط للحفاظ على سلامة تلك المقاصد من جهة الوجود والعَدم بما لم يأتِ له مثيل ولم يسبق له نظير، فمن طبّق هذه الأحكام وامتثل أمر الله فيها تحقق له ما يبتغيه من الأمن.
فالقصاص والحدود شُرِعت لإحكام الأمن، من قَتل بغير حق قتِل، ولو لم يُقتل لقامت الثارات، وصار كلٌ يأخذ حقه بيده، ومن سرق قُطع، ولو لم يُقطع لصارت البلاد مَنْهَبَة؛ كلٌ يأخذ ما يشاء ويذر، ومن حارب وسعى في الأرض بالفساد يروّع عباد الله ويقتلهم ويأخذ أموالهم أقيم عليه حد الحرابة بالتقتيل أو بالصلب أو بالتقطيع من خلاف أو بالنفي من الأرض، ومن شرب الخمر أو قذف محصنًا جُلِد، وشُرِع التعزير لولي الأمر ليؤدب كل معتدٍ بما يردعه عن العودة إلى فعلته، فيأمن الناس ويطمئنون.
بل بالغَت التوجيهات الشرعيّة في الأمر بالحفاظ على الأمن وعدمِ المساس به بتوجيهاتٍ عديدة وأوامر ملزِمة قال : ((لا يحل لمسلم أن يروّع مسلمًا)) رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني، ونهى أن يُشهر السلاح على أرض المسلمين، فقال : ((لا يُشِر أحدكم إلى أخيه بالسلاح؛ فإنّه لا يدري أحدكم لعلّ الشيطانَ ينزع في يده فيقع في حفرة من النار)) متفق عليه.
وإذا سعى ساعٍ للإخلال بالأمن أو زعزعته أو إشاعة الفوضى فإن الناس يأخذون على يده ويتحدون ضده؛ لأنهم يعرفون قدر هذه النعمة، ولا يريدون أن يُسلَبوها؛ لأن مجتمعًا بلا أمن لا يهنأ بعيشه إن دام له عيشه.
عباد الله، ألا وإن مما ينبغي أن يُعلم أنه لا أمن بلا إيمان، فمن حقق الإيمان ظفر بالأمن، وبقدر ما يتحقق من الإيمان يتحقق مثله من الأمن، ومن استكمل شعَب الإيمان وخصاله استكمل صور الأمن وأشكاله، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].
بارك الله لي ولكم




الخطبة الثانية
إذا تبينت أهمية ضبط الأمن واستتبابه في المجتمع فإن هناك مرتبة من مراتبه هي أعظمها، وهي مرتبة الأمن في الدين، ومع ذلك يتساهل كثير من الناس فيها. والدليل على أن الأمن في الدين أعظم مراتب الأمن أن الأمن جاء لحفظ الضروريات الخمس، وأعظم هذه الضروريات الدين.
أقول هذا لأنبه إلى خطر أولئك الذين يثيرون الفوضى ويزعزعون أمن الناس في أديانهم، فيثيرون الشبه ويبثّون الشكوك حول هذا الدين وشعائره وشرائعه.
وأخص بالذكر تلك الشِّرْذِمة النَّتِنَة من الكَتَبة ذوي العقول الضيّقة الصغيرة الذين آذونا في ديننا؛ فصاروا يصفون تمسّكنا به وتشبّثنا به رجعية وتخلّفًا، وينتقصون أحكام الله وأنها لا تصلح في زمن الحضارة والعولمة، وينعتون القصاص وإقامة الحدود بأنها أحكام جائرة وغير إنسانية، وأن القضاء الشرعي قضاء بدائي مُتحجّر، ويدعون إلى التحرر والانفتاح، وتطاولت ألسنتهم على كتاب الله وسنة رسول الله ، فصاروا يصرّحون أو يلمّحون بأنه يدعو إلى العنف من خلال الدعوة على الجهاد أو عقيدة الولاء والبراء.إن العلمانيين ومن تشبّه بهم ممن يُذكون نار الفتنة ويؤجّجون نارها أخطر الفئات على أمن الناس، هم والله أخطر من أولئك الذين يعتدون على دماء الناس وأموالهم وأعراضهم. وإن الواجب على الناس ليأمنوا على دينهم وسائر حقوقهم أن يقفوا صفًّا واحدًا في وجه هؤلاء، فلا يغتروا بحماقاتهم التي تنبئ عن عقول مريضة ونفوس سقيمة، ولا يتأثروا بها. وعلى المصلحين المخلصين والدعاة الناصحين أن يدفعوا تلك الشبه، ويبينوا عوارها للناس، ويقوّضوا بنيانها، فلا تقوم لها ولا لأصحابها بعد اليوم قائمة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق