السبت، 3 أبريل، 2010

إعلامنا والأحداث (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 29/2/1426هـ)
الخطبة الأولى
في عصر يموج بالأحداث المتسارعة المُلتهبة والوقائع المتلاحقة المشتعلة تبرز أهمية وجود إعلام صادق وشَفّاف ينقل إليك الصورة واضحة من الموقع، ويجعلك تتابع الحدث لحظة بلحظة، ويحلّله لك والتراكماتِ الناشئةَ عنه بصدق وحياد، خاصّةً في ظلّ عولمة مفروضة على الضعيف؛ ليخضع من خلالها للقوي، فأصبح العالم قرية صغيرة يتأثّر شرقها بما يحدث في غربها، ويؤثّر شمالها في جنوبها.
ولكن نظرًا لأن العولمة المفروضة مُصطبِغة بصبغة أمريكية كافرة فقد أثّرت بشكل أو بآخر في إعلام الدول عمومًا، والإسلامية منها خصوصًا، فأصبح يُظهر الأحداثَ ويفسّرها كما يهواه ذلك الإعلام الكافر، هذا مع غَضّ الطرف عن تلك الأيدي الخبيثة الظاهرة منها والخفيّة التي انتسبت إلى الإسلام اسمًا ورسمًا، وهي أبعد ما تكون عنه، بل من أشد أعدائه مَخْبَرًا ومضمونًا.
لقد أصبح الإعلام العالمي يفسّر كل ما يحدث من عنف على سطح الأرض على أنه صنيعة إرهاب، وإذا قيل: إرهاب فالمراد: الإسلام، ليس إلا.
فحين يدافع شعب مسلم ضعيف عن أرضه ويقاتل غاصبًا محتلاًّ معتديًا ليطهّر ثراه من دَرَنِه ودَنَسِه سواء في فلسطين والعراق فهذا هو الإرهاب بعينه، ولكن حين تقصف الطائرات المباني وتدمّر الجرّافات المنازل ويُقتّل الأبرياء من الشيوخ والنساء والصبيان فهذا حقّ للدفاع مشروع؛ خاصةً إذا كان المُعتدَى عليه مسلمًا يُخشى من أي حركة أو سكنة يُحدثها.
وحين يُعاقَب مجرم على جرمه في بلد الإسلام كما جاء به شرع الله فإن هذا يوصف بأنه تخلّف ورجعية؛ وإن كان قد انتقص دين الله أو شعيرة من شعائره فجُوزِيَ بما يستحق، فهذا اعتداء على الحرية الفكرية ومناقضة لحقوق الإنسان التي كفلها له النظام العالمي، ولكن حين يحدث أنّ مُنصِفًا يصف الإسلام بما هو الحق فإن هذا جريمة لا تُغْتَفَر وإيذاء لمشاعر العامة، فلا بد من إيقافه وإسكاته.
وحين يتحرك أحد في بلد الإسلام بسوء فإن قُوى الكفر تهبّ لنجدته باسم الديمقراطية والحرية، أما إذا كان هذا بحق في بلد كافر فإن أشد العقوبات تنزل به، ولا يُسمح لأحد بالتدخّل؛ لأن هذا شأن داخلي. وهكذا دَواليك، سلسلة لا تنتهي من الكذب والتزييف والخداع.
وحتى لو قلنا: إن هذا شأن الإعلام الكافر ـ وليس بعد الكفر ذنب ـ فإن الكلام ينسحب إلى إعلام الدول المسلمة الذي خضع طوعًا أو كرهًا لما يسعى إليه الغرب، بل أصبح بعضُ الأذناب ممن يتسمون بالإسلام يبادرون باتهام الدين وشعائره وشرائعه في كل ما يحدث من تفجير وتخريب وتدمير؛ قُربانًا لأسيادهم الكفرة، وتزلّفًا لأوليائهم من المنافقين، وصاروا يمجّدون رموز الكفر والإلحاد وأصنام الفسق والمجون باسم التفاني في خدمة الإنسانية وتحقيق الأهداف النبيلة.
وليكون الكلام تطبيقًا وواقعًا لا تنظيرًا وتأصيلاً انظروا إلى الهالة الإعلامية التي أحدثها الإعلام ووسائله في الحديث عن رأس النصرانية الحاقدة على الإسلام، والمتابعة الدقيقة لوضعه الصحي المتردّي حتى أهلكه الله، ثم التَّأبِين بذكر محاسنه وخدماته الجليلة، بل وحتى في سعيه الدؤوب للتقارب مع اليهودية، واعتذاره عن عدم تدخّل كنيسته فيما شهدته الكِذبة العالمية في المحرقة النازِيّة التي افتراها اليهود، ولا يزال العالم بأسره يُسدّد فاتورتها ويدفع تعويضاتها. مع أن ذلك النصراني الهالك الذي أمضى عمره يحمل أثقاله وأثقالاً مع أثقاله لم يتودّد للمسلمين يومًا، ولم يقل كلمة حق نحوهم، ولم يقدّم اعتذارًا مماثلاً كالذي قدّمه لليهود فيما جناه أجداده بحق المسلمين في الأندلس ومحاكمِ التفتيش التي ما عرف العالم ـ حتى الحديث ـ مثيلاً لها في نكالها وعذابها. ولا يزال الإعلام ـ حتى بعد هلاك رمز الصليب ـ يتابع أحداث دفنه التي تنتهي إلى جهنم وبئس المصير؛ وما يجدّ في شأن الكنيسة بعده.
وشاهد آخر قريب منه؛ حين كان الإعلام يتابع الأيام الأخيرة بلحظاتها في حياة ممثل ماجن عاش عمره، بل قضى حتى آخر لحظات حياته في ظلام الفن والتمثيل. فهل شهدت حياة عَلَم من أعلام المسلمين المعاصرين التغطية ذاتها من إعلام الدول المسلمة؟! على الرغم من أن أعلام الإسلام ليسوا بحاجة لذلك؛ فالميزان ميزان الله، لا ميزان الخلق. وأما ذلك النصراني ومن على شاكلته فهذا من تعجيل طيّباتهم لهم في الحياة الدنيا.
أيها المسلمون، يقال هذا الكلام وبلاد الحرمين تشهد أحداثًا مؤلمة لا يرضاها مسلم عاقل، ولا يفكّر يومًا أن هذا يحدث على أرضها. وإذا كان الله قد قدّر أن يحدث هذا فإن علينا أوّلاً أن نحمد الله ونثني عليه على ما يقدّره لنا، وأن نعلم أن ما يقدّره الله لا بد أن يكون خيره أكثر من شره، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله. ثم إن علينا أن ننظر إلى كل ما يحدث بميزان القسط والعدل، فلا حَيْف ولا تطفيف، ولا إسراف ولا إجحاف، وهذا ـ وللأسف ـ قد خلت منه كثير من وسائل الإعلام إلا من رحم الله، وقليل ما هم.
لقد استغلّ بعض ضعاف النفوس وطائفة من ناقصي العقل والدين مثل هذه الأحداث فصاروا يسبّبونها من غير مسبِّباتها، ويبنونها على غير أسسها، ويتّهمون البريء ويبرّئون المتهم، دفع بعضَهم في ذلك النفاقُ المتوغّلُ في قلبه، وآخرون منهم دفعه حمقُهُ وجهلُهُ، وساعدهم في شيء من ذلك تولية بعض الأمر لغير أهله. صار بعضهم يحمّل المناهج الدراسية ـ خصوصًا الشرعية منها ـ المسؤولية عن ذلك، ووجّه آخرون الاتهام إلى عقيدة الولاء والبراء وشعيرة الجهاد، وشنّعت طائفة على مدارس تحفيظ القرآن الكريم، ونقول: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور:16].
لقد أصبح هؤلاء الكتّاب والصحفيون يُظهرون هذه التهم الكاذبة وأمثالها بالخط العريض، ويجعلونها عنوانًا ومدخلاً لكتاباتهم، ويغدون ويروحون عليها، فما من جريمة تحدث ولا من خَطْبٍ يحِلّ إلا وينسبونه إليها، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا [الكهف:5].
إن هؤلاء يتحمّلون إثمهم في كذبهم وإثم ما قد أفضت إليه كتابتهم من حمْل بعض الآباء ممن قصر عقله وعلمه على صرف أولاده عن مدارس تحفيظ القرآن وعن صحبة الأخيار ومجالستهم؛ بحجة أنهم سبب رئيس لحمْل مثل تلك الأفكار المنحرفة، فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79].
لقد صرّحت فئة ممن ضلوا أن سيرهم إلى سراديب التكفير والتدمير كان بسبب بُعدهم عن العلم الشرعي الصحيح، بل ونصّ بعضهم على أنه لم يكمل دراسته النظامية.
وأما عقيدة الولاء والبراء وشعيرة الجهاد فهما من أصول هذا الدين العظيمة التي وُجدت معه، وبُني عليها، فلا ينفك عنها، ولا هي تنفك عنه. فإذا أخطأ أحدٌ في فهمهما أو تطبيقهما على الوجه الصحيح أفنحمّل الدين سبب ذلك، أو نتهّم عقولنا القاصرة الناقصة؟! وإذا كان بعض من ضلّ قد شارك في الجهاد أيام أفغانستان، فهل يكون سبب ضلاله أنه جاهد هناك؟! فماذا نقول عن مئات ذهبوا وعادوا وما تلوّثوا بتفكير أو تكفير؟!
ثم إن الأفكار التي انتشرت في أفغانستان وغيرها قد أصبحت الآن تقدّم في قوالب خادعة مزيفة برّاقة إلى أبنائنا وفي بيوتنا، من خلال تلك الوسائل الفتّاكة، أعني شبكات الإنترنت، وما أدراك ما هيه؟!
وأما مدارس تحفيظ القرآن فقد وُجدت مع بزوغ فجر الإسلام، ولم تخرّج قطّ داعية إلى بدعة أو منظّرًا لشبهة، بل وحتى في عصرنا نراها تخرّج المئات بل الآلاف ممن يحمون الأمة، ويدافعون عنها، ويقودون سفينتها إلى برّ الأمان.
أيها المسلمون، لئن جرّ الهوى ونقص العلم وقلة الدين فئة من أبناء المسلمين لتشرّب سموم فكرية تنفثها طائفة ممن أغواهم الشيطان وحادوا عن طريق الحق، نقلوها عنهم بالسماع والمشافهة أو عن طريق الإجازة والوجادة، فصاروا يحملون راياتهم على هذه الأرض وبين أبنائها؛ فإن هذا لا يعني أن نُطفّف في الموازين.
نعم، إن أولئك الذين ضلّوا فسلكوا سبيل التكفير والتدمير وتساهلوا في سفك الدم الحرام بغير حلّه واستهانوا بأمن الناس وأرواحهم قد حادوا عن الصراط المستقيم، وضلوا عن السبيل القويم، فما جنينا مما جاؤوا به واستوردوه من أفكار إلا الخراب والدمار وإهلاك الحرث والنسل وإتلاف الأنفس والأموال والديار. وكم سمعنا وشاهدنا من المواجهات الدامية الشرسة معهم، وآخرها ما حدث خلال هذا الأسبوع، فماذا نتج عن ذلك كله؟! والله ما نتج لنا إلا إزهاق أرواح وإتلاف أموال وترويع آمنين.
إن المصيبة تعظم مع أولئك الزائغين وأمثالهم أنهم لا يفعلون ذلك عن شهوة يعلمون حرمتها ولا ينقصهم إلا التوبة عنها، إنما يتخذون ما يصنعونه من تكفير وتفجير ديانة لله يتقربون بها إليه، وهذا يعني أن المرء لا يمكن أن يتخلّى عما يدين الله به إلا بشيء أقوى منه، وفي هذا تتجلّى أعظم الصور التي تؤكّد على أهمية العلم الشرعي وتلقّيه عن أهله المعروفين به والراسخين فيه.
وإذا كنا نريد الحق والحق فقط فإن الواجب علينا ـ وقد ذقنا شيئًا من مرارة ما ترتكبه هذه الفئة المنحرفة وتجرّعنا الغُصَص من ذلك ـ أن نسعى إلى تصحيح أوضاعنا، وننظر في الأسباب الحقيقية للانحراف الفكري والخُلُقي فنتفاداها، وقبل ذلك وبعده أن نلجأ إلى الله أن يصلح نياتنا وذرّياتنا، وأن يحفظ علينا أَمْننا والنعم التي أنعم بها علينا، وعلينا أن ننظر بعين البصر والبصيرة، وأن نَزِن الأحداث والوقائع بميزان العدل والحق؛ فإن الله جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8].
بارك الله لي ولكم




الخطبة الثانية
إن من الواجب علينا ونحن نعيش هذه الأحداث المريرة المؤلمة أن نتذكّر أبناءنا وإخواننا على خط النار الذين يتصدون لمواجهة تلك الأفكار المنحرفة بمواجهة أربابها، ويعرّض أحدهم نفسه للهلاك لذلك. إننا نقول لإخواننا رجال الأمن: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا [الأعراف:128]، وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139]، وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد:35]، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُه [آل عمران:140]، وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ [النساء:104]، واعلموا أن المؤمن لا يصيبه نَصَب ولا وَصَب ولا تعب حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه، فأمره كله خير، شُكْرٌ في السرّاء، وصبْرٌ في الضرّاء.
احفظوا الله يحفظكم، وأنّى لعبد حفظه الله أن يناله أحد بسوء؟! ((من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمّة الله))، والهجوا بالأذكار صباح مساء؛ فهي حافظة بإذن الله، واثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون.
وإننا نوصيكم بتقوى الله والإخلاص له، فإنكم في جهاد ما أخلصتم ذلك لله، اجعلوا قتالكم لإعلاء كلمة الله وردّ الشبهة والفتنة والبدعة عن دين الله؛ فإن ذلك في سبيل الله، وقدوتكم إمام المجاهدين يقول: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))، ولا يخفاكم فضل الجهاد والمجاهدين في سبيل الله، وإياكم أن تقاتلوا حميّة أو شجاعة أو ليحمدكم الناس أو لأي هدف من أهداف الدنيا الدنيّة؛ فإن في أول ثلاثة تسعّر بهم النار يوم القيامة رجلاً قاتل ليُقال: جريء، فقيل له في الدنيا، ثم يؤمر به فيُسحب إلى النار. نسأل الله لكم النصر والتسديد، إنه على كل شيء قدير.
وإن من الجهاد في سبيل الله ـ عباد الله ـ أن يتصدّى أولو الشأن لدحض شبه هؤلاء الضالين وإبطالها؛ فإن المواجهة ليست مع أشخاص، بل مع أفكار، وإذا قتلتَ شخصًا فإنك لم تقتل فِكره بكل حال، بل ربما بقي ليحمله بعده مثله، وهكذا.
ولهذا فإن الواجب على الصالحين المصلحين والناصحين المخلصين أن يتصدّوا لهتك أستار هذه الشبه وهدمها، عسى الله أن يطفئ نارها ويخمد جذوتها، إنه خير مسؤول.اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في هذه البلاد من رجال الأمن والهيئات والباذلين المخلصين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء دينك وكلمتك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق