السبت، 3 أبريل 2010

جمع الجمعة والعصر..بحث فقهي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد:
فقد اختلف العلماء القائلون بجواز جمع الصلاتين –وهم المالكية والشافعية والحنابلة[1]- في جواز الجمع بين الجمعة والعصر[2]؛ على قولين:
القول الأول: يجوز الجمع بينهما تقديماً، وهو مذهب الشافعية[3].
القول الثاني: لا يجوز الجمع بينهما، وهو قول الحنابلة[4].
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قياساً على الظهر بجامع المشقة؛ خصوصاً أن ذلك في التقديم، والحكم حينئذ يتعلق بالعصر، ولا فرق بين تقديم العصر يوم السبت أو الخميس أو الجمعة[5].
المناقشة: نوقش من وجهين:
1/ أنه لا يسلّم بصحة القياس؛ لأنه لا قياس في العبادات.
2/ لو سلمنا بالقياس؛ فإنه قياس مع الفارق فلا يصح؛ إذ إن بين الجمعة والظهر فروقاً عديدة[6].
الجواب: يجاب من ثلاثة أوجه:
1/ أنا لا نسلّم بأن هذا قياس في العبادات؛ بل هو قياس في الرخص؛ وهو سائغ؛ ومنه: قياس الثلج والوحل على المطر في الجمع[7].
2/ أنا لو سلّمنا بأن هذا قياس في العبادات؛ فإن القياس الممنوع في العبادات هو القياس في أصول العبادات وفيما لا يُعقل معناه، وأما فيما عدا ذلك فهو سائغ؛ بل كثير ومنتشر في كتب الفقهاء[8].
3/ أن الجمعة تتفق مع الظهر في مسائل كثيرة؛ ومنها: باب الأعذار الذي هو محل البحث؛ فإن الجمعة كالظهر في الأعذار التي تبيح التخلف عنهما؛ وفي جوازها في الرحال في المطر الشديد؛ بل وتزيد الجمعة في حق المسافر: أنها لا تجب عليه.
الدليل الثاني: لأن الشارع لا يفرّق بين المتماثلات؛ كما أنه لا يجمع بين المختلفات. فما الفرق بين جمع الجمعة مع العصر وجمع الظهر مع العصر إذا استويا في المشقة أو كانت المشقة في يوم الجمعة أشد؟.
وعلى من فرّق بينهما أن يجيب عن هذا المثال: لو فرضنا أن المطر نزل بشدة وقت صلاة الجمعة على بلد بها جامع كبير فيه آلاف الناس، وبعد سلام الإمام دخل رجلان مسبوقان فصليا الظهر. فما الذي يسوّغ لنا أن نجوّز لهذين جمع العصر إلى صلاتهما، وأن نقول لتلك الجموع: ليس لكم الجمع، وتلزمكم العصر في وقتها؟![9].
الدليل الثالث: ثبت أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لمؤذنه في يوم مطير: "إذا قلت: أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم" فكأن الناس استنكروا، قال: "فعله من هو خير مني. إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين والدحض"[10].
وجه الدلالة: من وجهين:
1/ أن الجمعة أشبهت الظهر في صلاتها في الرحال إن وجد عذر.
2/ أنه ما دام أن الجمعة يُعذَر بتركها في هذه الحال، فإن صلاتها جمعةً في الجماعة مجموعة مع العصر أولى من صلاتها ظهراً في وقتها مفردة دون العصر في الرحال[11].
الدليل الرابع: يمكن أن يُستدل بعموم حديث ابن عباس y: "أراد ألا يحرج أمته"[12].
وجه الدلالة: أن ابن عباس y أخبر أن النبي e جمع رفعاً للحرج عنه أمته، فدل على أن علة الجمع رفع الحرج والمشقة، وما دامت المشقة موجودة في حال الجمعة؛ فإن الجمع يجوز فيها.
وأما جمع التأخير فيمتنع لأن الجمعة لا تؤخر عن وقتها[13]، ولأن الشافعية لا ييبحون الجمع للمطر تأخيراً[14].
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول: لأنها صلاة مستقلة وليست بدلاً عن الظهر، بل تختلف عنها في مسائل عديدة[15].
المناقشة: نوقش من وجهين:
1/ أن استقلال الجمعة لا يمنع اشتراكها مع الظهر في بعض الخصائص، فقد بوّب البخاري في صحيحه: (باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة)[16] وأورد تحته حديث أنس t: أن النبي e كان إذا اشتد البرد بكّر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة. قال الراوي: –يعني الجمعة-[17]، قال الحافظ ابن حجر: "وعُرف بهذا أن الإبراد بالجمعة عند أنس إنما هو بالقياس على الظهر لا بالنص، لكن أكثر الأحاديث تدل على التفرقة بينهما"[18].
2/ أن صلاة العصر تستقل في فضل المحافظة عليها والوعيد بتركها عن صلاة الظهر، فقد قال النبي e: "من صلى البردين دخل الجنة" والبردان: الفجر والعصر[19]، وقال: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله"[20]، ومع ذلك جاز جمعها إليها[21].
الدليل الثاني: لأن السنة لم تأت بجمع الجمعة مع العصر، وإنما وردت بجمع الظهر مع العصر[22].
المناقشة: يناقش بأن الجمعة كالظهر في باب الأعذار؛ وهو محل البحث، فتتفقان في الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة، وفي كونهما تصليان في الرحال في المطر الشديد، بل وتزيد الجمعة في حق المسافر: أنها لا تجب عليه.
الدليل الثالث: لأن النبي e -كما في حديث أنس t- لما استسقى يوم الجمعة ومُطروا[23]، لم يُنقل أنه جمع بهم العصر مع الجمعة للمطر، ولا حتى في الجمعة الثانية للوحل[24].
المناقشة: نوقش بأنه لا يلزم من عدم النقل عدم الجمع، لاحتمال أن الراوي لم يذكر الجمع للعلم به، وإنما روى ما يُحتاج إليه من خبر الأعرابي، ولذا لم يذكر ما فعل النبي e بعد نزوله من المنبر، ولم يذكر أن النبي e جمع بهم في أيام ذلك الأسبوع إلى الجمعة المقبلة[25].
الدليل الرابع: لأن الأصل أن تصلى العصر في وقتها، ولا يخالف هذا الأصل إلا بدليل[26].
المناقشة: يناقش بأن الجمع قد ثبت في الظهر؛ والجمعة كالظهر في باب الأعذار.
الدليل الخامس: أن الجمع الوارد عن النبي e في المدينة كان سبعاً وثمانياً[27]. وجمع الجمعة مع العصر يكون ستاً[28].
المناقشة: نوقش بأن الجمع منقول في غير يوم الجمعة، ولذا كان سبعاً وثمانياً[29].
الترجيح: كلا القولين قوي، وأقربهما إلى الصواب القول الأول لرجحان أدلته، خاصة مع استصحاب أمور:
1/ أن الراجح أن وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظهر؛ ابتداءً وانتهاءً.
2/ أن الجمع إذا كان جمع تقديم، فإن وقت الجمعة لم يتأثر، وإنما تأثر وقت العصر.
3/ أن الصلاة جمعاً في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع: كمالك والشافعي وأحمد. كما قال ذلك شيخ الإسلام؛ بل عدّ الصلاة في البيوت وترك الجمع بدعة، حيث قال: "ترك الجمع مع الصلاة في البيوت بدعة مخالفة للسنة، إذ السنة أن تصلى الصلوات الخمس في المساجد جماعة، وذلك أولى من الصلاة في البيوت باتفاق المسلمين. والصلاة جمعاً في المساجد أولى من الصلاة في البيوت مفرقة باتفاق الأئمة الذين يجوزون الجمع: كمالك والشافعي وأحمد"[30].
4/ أن أكثر ما يمكن أن ترد عليه صورة جمع الجمعة والعصر هو في حال الحضر؛ سواء كان لعذر المطر أو الوحل أو الرياح ... إلخ. لأن المسافر لا تلزمه الجمعة، ولا يكاد يدركها في سفره، ولعل ذلك هو السبب في أن الفقهاء يوردون بحث هذه المسألة تحت (باب صلاة الجمعة) ولا يوردونها عند الكلام حول صلاة المسافر أو في مسائل الجمع بين الصلاتين.
5/ أن المالكية والحنابلة يمنعون من جمع الظهرين أصلاً في المطر، وطرد مذهبهم أن يمنعوا من الجمع بين الجمعة والعصر. ولذا؛ ينبغي لمن يجوّز الجمع بين الظهرين في المطر أن لا يتأثر كثيراً بموقف المذهبين في ذلك.
6/ أن قياس صلاة على صلاة في رخصة واحدة أولى من قياس رخصة على رخصة في صلاة واحدة.
7/ أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم واقعة جمع في المطر أبداً في الصلوات الخمس، فاستدلال بعض العلماء بعدم ورود الجمع بين الجمعة والعصر غير مؤثر كثيراً.
وبهذا يتم بحث هذه المسألة؛ وهو جهد فردي واجتهاد شخصي ومحاولة لإثراء البحث حول هذه القضية المهمة التي يكثر السؤال عنها في العصر الحديث..
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل علمنا وعملنا خالصاً لوجهه الكريم॥ والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين।


[1] الحنفية يمنعون ابتداء من الجمع بين الصلاتين إلا ما ورد في عرفة ومزدلفة.. ويحملون ما عدا ذلك على الجمع الصوري.. وللوقوف على مذهبهم بتوسع؛ يمكن الرجوع إلى: المبسوط (1/149) وبدائع الصنائع (1/213-214) ومجمع الأنهر (1/99)
[2] لم أقف –بعد البحث الطويل-على كلام لفقهاء المالكية أو نسبةٍ لمذهبهم حول المسألة محل البحث. والمسألة على مذهبهم يتنازعها أمران:
الأمر الأول: أن الجمعة صلاة مستقلة وليست ظهراً مقصورة. (انظر: الذخيرة 2/330 والفواكه الدواني 1/399)،وعليه: لا يجوز الجمع. قال السيوطي: "الجمعة: ظهر مقصورة أو صلاة على حيالها؟ قولان، ويقال: وجهان... والترجيح فيهما مختلف في الفروع المبنية عليهما... ومنها: هل له جمع العصر إليها، لو صلاها وهو مسافر؟ قال العلائي: يحتمل تخريجه على هذا الأصل. فإن قلنا: صلاة مستقلة لم يجز، وإلا جاز. قلت –السيوطي-: ينبغي أن يكون الأصح الجواز". (الأشباه والنظائر 1/354-355).
الأمر الثاني: أن وقت صلاة الجمعة يمتد إلى الغروب (انظر: مواهب الجليل 2/518 والفواكه الدواني 1/402). وعليه: يجوز الجمع، لأن الجمعة إذا أُخرت حتى دخل وقت العصر، كان من الطبيعي أنهم سيشرعون في العصر بعدما يفرغون من الجمعة. (انظر: الشامل في فقه الخطيب والخطبة، للشريم ص424).
[3] انظر: البيان (2/494) وروضة الطالبين (1/400) والمجموع (4/262) ومغني المحتاج (1/407، 412) وقال: "بل أولى" ونهاية المحتاج (2/273) وحاشية الجمل (2/436) وحاشية البجيرمي (2/380) ونص فيه على السفر.
[4] انظر: المغني (3/218-219) والفروع (3/134) والمبدع (2/141) والإنصاف (5/159) وفتح الملك العزيز بشرح الوجيز (2/397) والإقناع (1/291) ومنتهى الإرادات (1/347) ومعونة أولي النهى (1/468) ودقائق أولي النهى (2/5) وكشاف القناع (3/320) ومطالب أولي النهى (2/254) وحاشية الروض المربع، لابن قاسم(2/420) ومجموع فتاوى ومقالات متنوعة (12/300) والشرح الممتع (4/402) وإتحاف أهل العصر في مسائل الجمع والقصر (ص15).
[5] انظر: الشامل (ص424).
[6] انظر: فتاوى ابن عثيمين (15/373) وقد عدّ رحمه الله في فتاويه: (16/185-188) ثلاثة وعشرين فرقاً بين الجمعة والظهر.
[7] انظر: الإبهاج (3/1475) ونهاية السول (2/826) والبحر المحيط (4/52) وشرح الكوكب المنير (4/220). وانظر بحثاً مستقلاً في هذا الموضوع بعنوان: الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس؛ للدكتور عبدالكريم النملة.
[8] انظر: الإبهاج (3/1475) ونهاية السول (2/826) وشرح الكوكب المنير (4/220) والمهذب في علم أصول الفقه المقارن، للنملة (4/1947-1948).
[9] انظر: الشامل (ص424).
[10] رواه البخاري (11-كتاب الجمعة/ 14-باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر/حديث 901).
[11] انظر: الشامل (ص425).
[12] رواه مسلم (6-كتاب صلاة المسافرين وقصرها/ 6-باب الجمع بين الصلاتين في الحضر/ حديث 705).
[13] انظر: مغني المحتاج (1/407) ونهاية المحتاج (2/273) وحاشية الجمل (2/436) وحاشية البجيرمي (2/380).
[14] انظر: البيان (2/491) والمجموع (4/261) ومغني المحتاج (1/412) والراجح جواز جمع التأخير في المطر، وبناء عليه: يجوز الجمع بين الجمعة والعصر تأخيراً.
[15] انظر: الفروع (3/134) والإنصاف (5/159) والشرح الممتع (4/402). وقد عدّ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في فتاويه: (16/185-188) ثلاثة وعشرين فرقاً بين الجمعة والظهر.
[16] صحيح البخاري (11-كتاب الجمعة/ 17-باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة).
[17] الموضع السابق برقم (906).
[18] فتح الباري (2/500).
[19] رواه البخاري (9-كتاب مواقيت الصلاة/ 26-باب فضل صلاة الفجر/ حديث 574) ومسلم (5-كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ 37-باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما/ حديث 635).
[20] رواه البخاري (9-كتاب مواقيت الصلاة/ 14-باب إثم من فاتته العصر/ حديث 552) ومسلم (5-كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ 35-باب التغليظ في تفويت صلاة العصر/ حديث 626).
[21] انظر: فقه الجمع بين الصلاتين (ص256).
[22] انظر: الشرح الممتع (4/403) وصلاة المؤمن، لسعيد القحطاني (2/713).
[23] رواه البخاري (11-كتاب الجمعة/35-باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة/حديث933) ومسلم (9-كتاب صلاة الاستسقاء/2-باب الدعاء في الاستسقاء/حديث 897).
[24] انظر: الشرح الممتع (5/109).
[25] انظر: الشامل (ص426).
[26] انظر: فتاوى ابن عثيمين (16/183).
[27] روى ابن عباس y: أن النبي e صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. رواه مسلم (6-كتاب صلاة المسافرين وقصرها/ 6-باب الجمع بين الصلاتين في الحضر/ حديث 705).
[28] انظر: فقه الجمع بين الصلاتين (ص255).
[29] انظر: المرجع السابق.
[30] انظر: مجموع الفتاوى (24/30).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق