الأحد، 4 أبريل 2010

قضايا المرأة (4): الحجاب (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 26/6/1430هـ)
الخطبة الأولى
لقد أكرم الله هذه الأمة بأن أنزل عليها هذه الشريعة العظيمة التي جعلها ناسخة لما قبلها من الشرائع ومهيمنة عليها؛ فأخرج الله بها العباد من الظلمات إلى النور؛ ومن الجهالة إلى الهدى؛ وأعزّهم بها ورفع قدرهم بين الأمم؛ وضّمنها سبحانه كل ما يُصلح شؤون الخلق في أمر الدين والدنيا؛ وهو –جل شأنه- أعلم منهم بكل ذلك: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير".
وإن مما تميزت به هذه الشريعة الربانية: أنها أكرمت المرأة وأعزّتها ومنحتها حقوقها منذ فجر الإسلام؛ في وقت كانت جاهلية الأمم على اختلاف أعراقهم وتنوع مللهم قد سلبوها أشياء هي من أبسط حقوقها؛ بل وصل الأمر ببعضهم –كما هو الحال في جاهلية العرب- إلى قتل البنات أو وأدِهن أحياء لأمر يُخشى وقوعه وهو العار.
أيها المسلمون.. ويستمر بنا الحديث حول المرأة وقضاياها المزعومة التي ادّعاها بعض الكتّاب ليُخرجوا المرأة –من حيث يشعرون ولا يشعرون- من الحياء والعفاف والطهر والفضيلة إلى التبرج والسفور والانحلال والرذيلة.
إن من القضايا التي تخوض فيها تلك الأقلام المسمومة: قضية الحجاب.. وهي قضية قديمة حديثة، كانت منعطفاً خطيراً في كثير من المجتمعات الإسلامية؛ وبداية للتفكك والانحلال والانحراف.. فلقد نادى بعض المفكرين في العالم الإسلامي خلال القرن الماضي إلى خلع حجاب المرأة؛ متعلقين بمتعلقات بالية وحجج واهية، واليوم يعيد كتّاب عصرنا في بلادنا تلك المتعلقات والحجج نفسها، مع أنهم يرون النتائج المحزنة التي آلت إليها المجتمعات الإسلامية عموماً؛ والمرأة فيها خصوصاً.
لقد نادى أصحاب الأقلام المريضة بضرورة خلع الحجاب؛ أو على الأقل جعله أمراً اختيارياً غير إجباري؛ لأنه مجرد عادة وتقليد اجتماعي؛ ولأنه لا يوجد دليل شرعي يوجب على المرأة تغطية وجهها بحجابها، إضافة إلى أن العفاف عفاف القلب والطهرَ طهرُ النفس؛ فكم من فاجرة متحجبة؛ وكم من عفيفة متكشفة.
ثم يورد بعضهم نصوصاً ضعيفة أو مجملة أو محتملة فيتشبث بها ويظهر من خلالها بعباءة العالم المحقق المدقق؛ وهم يصدق عليهم قول الله تعالى: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"؛ وقد ثبت صحيح مسلم أن النبي r قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
كيف يترك هؤلاء العشرات بل المئات من النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على وجوب تغطية المرأة وجهها؛ ثم يتمسّكون بأدلة ضعيفة من حيث السند أو مجملة أو محتملة من حيث المتن؛ وربما لا دلالة فيها أصلا؟!
أيها المسلمون.. إن حجاب المرأة ووجوب تغطيتها لوجها ثابت في كتاب الله وسنة رسوله r..ومن جملة ذلك: قول الله تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين".
قال الجصاص الحنفي: "في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن".
وقال القرطبي المالكي المفسر: "لما كانت عادة العربيات التبذل؛ وكنّ يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعّب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله r أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن".
وقال البيضاوي الشافعي: " "يدنين عليهن من جلابيبهن" يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة".
وقال السيوطي: "هذه آية الحجاب في حق سائر النساء ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن".
ومن النصوص: قول الله تعالى مخاطباً الصحابة y في شأن أمهات المؤمنين: "وإذا سألتموهن متعاً فاسألوهن من وراء حجاب"، وقوله سبحانه: "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى"، وقال تعالى: "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن...الآية". والمراد بقوله: "إلا ما ظهر منها" الثياب الظاهرة؛ كما صح عن ابن مسعود t وغيره.
وقال سبحانه: "والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن".. قال الشنقيطي: "دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها ولا الإخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب".
والآيات في هذا الباب كثيرة؛ وأقوال المفسرين في بيان المراد منها وأنها توجب على المرأة الحجاب وتغطية الوجه كثيرة منثورة في كتب التفاسير؛ وقد أعرضت عن إيرادها تحت كل آية طلباً للاختصار.
وأما الأحاديث فأكثر من أن تحصى وتحصر، منها: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" شققن مروطهن فاختمرن بها. ورى البخاري عن ابن عمر y أن النبي r قال: "لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين". قال شيخ الإسلام: "وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن؛ وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن".
وروى الخمسة إلا ابن ماجه من حديث ابن عمر y: أن النبي r قال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن" قال: "يرخين شبراً" قالت: إذاً تنكشف أقدامهن. قال: "فيرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه". قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة y، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب، فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم. وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة، ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه".
وعن عقبة بن عامر الجهني t: أن النبي r قال: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت".رواه الشيخان. وعن عائشة رضي الله عنها: أن أفلح أخا أبي القعيس –وهو عمها من الرضاعة- جاء يستأذن عليها بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله r أخبرته بالذين صنعت فأمرني أن آذن له. رواه الشيخان.
وفي قصة الإفك: تقول عائشة رضي الله عنها: فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني، فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش؛ فأدلج؛ فأصبح عند منزلي؛ فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي عنه بجلبابي" الحديث..
فكيف يأتي بعد هذه النصوص وأمثالها من يزعم أن الحجاب مجرد عادة بالية وتقليد اجتماعي قديم، وأنه ليس حكماً شرعياً، وأنه لا يوجد دليل شرعي يدل على وجوب الحجاب على المرأة؟!
بارك الله لي ولكم.


الخطبة الثانية
أيها المسلمون.. ومما يورده أصحاب تلك الأقلام أن القول بكشف الوجه هو قول جمهور العلماء، وأنه لا يقول بوجوب تغطية الوجه إلا القليل منهم. بل وزعم بعضهم أنه لا يقول به إلا علماء نجد الوهابية فقط.
وهذا كله محض كذب وافتراء؛ فإن الإجماع العملي على مر العصور منعقد على أن المرأة تغطي وجهها ولا تخرج سافرة.. قال ابن حجر: "لم تزل عادة النساء قديماً وحديثاً يسترن وجوههن عن الأجانب". ونقل ابن رسلان اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه". وكذا نقله النووي عن إمام الحرمين الجويني.
وقال أبو حامد الغزالي: "لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن متنقبات".
ومما يؤكد هذا أنك لا تجد مسألة كشف الوجه وعدمه تأخذ حيزاً كبيراً في مصنفات الأئمة، بل ولا تجد مصنفاً مستقلاً يؤيد مسألة كشف الوجه.. بل على العكس تجد المصنفات في حجاب المرأة ووجوب تغطيتها وجهها؛ ككتاب الصنعاني الأمير صاحب السبل الذي سماه: "الأدلة الجلية في تحريم نظر الأجنبية".
وأما ادعاء أن هذا قول الجمهور فغير صحيح؛ فاسمع رعاك الله أقوال المذاهب الأربعة في هذه المسألة:
قال السرخسي الحنفي –في كلام له حول النظر إلى الأجنبيات-: "فدل على أنه لا يباح النظر إلى شيء من بدنها، ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة، وعامة محاسنها في وجهها؛ فخوف الفتنة في النظر على وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء".
وقال ابن نجيم الحنفي: "قال مشايخنا: تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة"
وقال ابن العربي المالكي: "والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة أو لحاجة كالشهادة؛ أو داء يكون ببدنها".
وقال تقي الدين ابن السبكي الشافعي: "الأقرب إلى صنع الأصحاب أن وجهها وكفيها عورة في النظر لا في الصلاة".
ونقل ابن مفلح الحنبلي عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: "وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز".
هذا، وينبغي أن يعلم أن من أجاز كشف الوجه من العلماء؛ فهو متفق مع المانعين على أن الستر أفضل، كما أن علماء الأمة قاطبة مجمعون على أن الفتنة إذا خيفت فإن ستر الوجه حينئذ واجب؛ وأن كشفه محرم بلا ريب.. وهل يقول عاقل بأن زماننا قد أُمنت فيه الفتنة.
أيها المسلمون.. إن الشريعة الإسلامية المحكمة لم تفرض الحجابَ على نساء المؤمنين بعيدًا عن المقاصد النبيلة والمصالح العظيمة، إن هذا الحجاب لم يشرع إلا لحكمة، هذه الحكمة قد يغفل عنها بعض نساء المؤمنين، ويتغافل عنها بعض الأولياء، حتى يتحوّل الحجابُ عن هدفه الحقيقي وهو منع الفتنة إلى وسيلة للفتنة، إلى وسيلة للزينة واستثارة الرجال.
إن الحجاب فرض على نساء المؤمنين من أجل منع الفتنة، ابتداءً من مجرد الاستحسان والتلذّذ بالنظر الذي هو زنا العين، وانتهاء بالفاحشة الكبرى والعياذ بالله، فإذا تحوّل الحجاب من مقصده الشرعي ليكون زينة في ذاته فقد فرغ من هدفه ومحتواه، ولذا لا بدّ أن يتعرّف الرجال والنساء على شروط الحجاب الإسلامي؛ لأن كثيرًا من النساء اليوم قد عصفت بهم حمّى العباءات المخصَّرة والمزركشة وغيرها، إن كثيرًا من النساء اليوم يلبسن عباءات هي في واقعها فساتين سوداء ويخرجن فيها، وهي لا تمتّ للحجاب الإسلامي بصِلَة.
معاشر المسلمين، يشترط للحجاب الإسلامي ثمانية شروط:
الشرط الأول: أن يستوعب جميعَ البدن حتى الوجه على القول الصحيح.
الشرط الثاني: أن لا يكون زينة في نفسه.
الشرط الثالث: أن يكون صفيقًا لا يشفّ عما تحته.
الشرط الرابع: أن يكون فضفاضًا غير ضيق ولا مجسّد للبدن.
الشرط الخامس: أن لا يكون مطيّبًا ولا مبخّرًا.
الشرط السادس: أن لا يشبه لباس الرجل.
الشرط السابع: أن لا يشبه لباس الكافرات.الشرط الثامن: أن لا يكون لباس شهرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق