السبت، 3 أبريل 2010

اليوم الآخر (4): الجنة والنار (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 28/1/1425هـ)
الخطبة الأولى
لقد خلق الله الجنة والنار، وجعل الأولى نُزلاً وكرامة لمن أطاعه واتقاه، وجعل الثانية مصيرًا ومستقرًا لمن خالف أمره وعصاه، فالعباد سائرون مذ خلقهم إلى هاتين الدارين، فمن أكرمه الله ورحمه دخل الجنة، ومن عامله بعدله دخل النار، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].
وإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار داران حقيقيتان، وأنهما مخلوقتان الآن، وهما أبديتان لا تفنيان.
وأما كيف يصير أهلهما إليها؛ فأما الجنة فحين يجوز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بينهم؛ ليذهب الغِلّ والحقد الذي في قلوبهم، ويكون هذا بمثابة التطهير والتنقية لهم؛ ليدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غِلّ، كما قال تعالى: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43].
ثم يأتي أهل الجنة الجنة، وأولهم دخولاً لها خليل الله وكليمه وصفيه محمد ، يأتي فيقرع باب الجنة فيستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فيقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك. ثبت بذلك الخبر في صحيح مسلم عن أنس . ثم يدخل بعده أمته، فهي آخر الأمم في الدنيا وأولهم دخولاً الجنة، قال : ((نحن الآخِرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة)) رواه مسلم.
وللجنة ـ عباد الله ـ ثمانية أبواب، ما بين المِصْرَاعَين من مَصَارِيع هذه الأبواب كما بين مكة وهَجَر أو مكة وبُصْرَى، فمن أنفق زوجين في سبيل الله من ماله دُعِي من أبواب الجنة، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعِي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعِي من باب الريّان، وقد يُدعَى الإنسان في جميع الأبواب، مثل أبي بكر الصديق .
وأما النعيم داخل الجنة فحسبك أن الله تعالى قال في الحديث القدسي في الصحيحين: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر))، ثم قرأ النبي : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]. ويكفيك أن أدنى أهل الجنة منزلة يقول الله له: ((أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول الله: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال الخامسة: رضيت رب، فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك)) رواه مسلم في صحيحه.
ونذكر في هذا المقام طرفًا يسيرًا من ذلك النعيم، وقد استفاضت النصوص بذكر شيء من تفاصيله.
فمن ذلك النعيم ـ نسأل الله عيشه ـ أن بناء الجنة لَبِنة من ذهب ولَبِنة من فضة، مِلاطُها المِسْك، وحَصْبَاؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزَّعْفَرَان، فيها غرف يُرَى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوّفة طولها ستون ميلاً، وفي الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المُضَمَّر في ظلها مائة عام لا يقطعها، يخرج إليها أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها، غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وفي الجنة جنتان فيهما من كل فاكهة زوجان، وجنتان فيهما فاكهة ونخل ورمان، وليست الفواكه والنخل والرمان كهيئتها في الدنيا، وإنما الاسم هو الاسم، والمُسمّى غير المُسمّى، قد ذُلِّلت قطوفُها تذليلاً، إن قام تناولها بسهولة، وإن قعد تناولها بسهولة، وإن اضطجع تناولها بسهولة، كلما قطع منها شيئًا خلفه آخر، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، وأتوا به متشابهًا في اللون والهيئة مختلفًا في الطعم، ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيًّا، يدعون فيها بكل فاكهة، آمنين من الموت، آمنين من الهرم، آمنين من المرض، آمنين من كل خوف ومن كل نقص في نعيمهم أو زوال، خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مَجْذُوذ.
فيها أنهار من ماء غير آسِن، أي: لم يتغير ولا يتغير أبدًا، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بحموضة ولا فساد، وأنهار من خمر لذة للشاربين لا يصدع الرؤوس ولا يزيل العقول، وأنهار من عسل مُصَفَّى، تجري هذه الأنهار من غير حفر ولا إقامة أخدود، يصرفونها كما يشاؤون.
يطوف عليهم ولدان مخلدون، إذا رأيتهم حسبتهم في جمالهم وانتشارهم في خدمة أسيادهم لؤلؤًا منثورًا، يطوفون عليهم بكأس من مَعِين بَيضاء لذة للشاربين، بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير، قوارير من فضة قدّروها تقديرًا، يُعطَى الواحد منهم قوة مائة في الطعام والشراب؛ ليأكلوا من جميع ما طاب لهم، ويشربوا من كل ما لذ لهم، ويطول نعيمهم بذلك، ثم يخرج طعامهم وشرابهم جُشَاءً ورَشْحًا من جلودهم كريح المسك، فلا بول ولا غائط ولا مخاط.
لهم فيها أزواج مطهرة من الحيض والنفاس والبول وكل أذى وقذر، هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون، لهم فيها فاكهة ولهم ما يدّعون، سلام قولاً من رب رحيم، أنشأهن الله إنشاءً فجعلهن أبكارًا، كلما جامعها زوجها عادت بكرًا، وجعلهن عُرُبًا أترابًا، والعَرُوب هي المرأة المتودّدة إلى زوجها، أترابًا على سِن واحد.
فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، لا يبغون عنها حولاً ولا هم منها مخرجون، ينادي مناد: أن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وأن تشبّوا فلا تهرموا أبدًا، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب يقولون: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، ويحل الله عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا.
وفوق ذلك كله ما يحصل لهم من النعيم برؤية ربهم البر الرحيم، الذي منّ عليهم حتى أوصلهم بفضله إلى دار السلام والنعيم، فإنهم يرونه عيانًا بأبصارهم: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22، 23] وفي الصحيحين: ((إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، لا تُضَامُون في رؤيته)).
اللهم إنا نسألك نعيم الجنة الذي لا ينفد، اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم.
بارك الله لي ولكم



الخطبة الثانية
أما أهل النار فإنهم يُساقون زُمَرًا إليها وِرْدًا، فإذا جاؤوها فُتِحت أبوابها السبعة، ثم أُدخلوا فيها، ثم أُطبقِت عليهم، فهي عليهم مُؤْصَدَة في عَمَدٍ مُمَدَّدة، أُوقِد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، أجارنا الله وإياكم منها.
وأما جحيمها وعذابها فهي دار الذل والهوان والعذاب والخذلان، دار الشهيق والزَّفَرات والأنين والعبرات، دار أهلها أهل البؤس والشقاء والندامة والبكاء، يدعون على أنفسهم بالموت فلا يُجابون، ويسألون ربهم الخروج منها فلا يُكلّمون، وعلى وجوههم فيها يُسْحَبون، وتوضع الأغلال في أعناقهم، ويُجمع بعضهم إلى بعض نكاية لهم وزيادة في العذاب، وطعامهم الزقّوم، كالمُهْل يغلي في البطون كغلي الحميم، ويلبسون ثيابًا من نار، وإن اشتهوا الماء فإنهم يُسقون من ماء صَدِيد، يتجرّعونه ولا يكادون يُسِيغونه، ويُسقون ماءً حميمًا فيُقطّع أمعاءهم. وتحيط بهم النار من كل مكان، لهم من فوقهم ظُلَل من النار ومن تحتهم ظُلَل. وإن أهون أهل النار عذابًا ـ كما في الصحيحين ـ من له نَعْلان وشِرَاكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المِرْجَل، ما يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه، وإنه لأهونهم عذابًا.
فيا عبد الله، تلك صفة أهل الجنة، وهذه صفة النار، فماذا ستختار؟! إن من أراد الجنة جعل نعيمها نصب عينيه، فإذا أراد عملاً نظر؛ إن كان يُدنيه من ذلك النعيم ويزيده منه أقبل وأقدم، وإن كان يباعده منها أو يحرمه نَأى وأبعد. ومن خاف النار جعلها نصب عينيه، فإذا أقبل على عمل تفكّر؛ فإن كان يوجب له شيئًا من عذابها نأى بنفسه ونجا، وإن كان يوجب له النجاة منها بادر وسارع.
أيها المسلمون، بهذا انتهت هذه السلسلة، وإنا لنختمها بالتأكيد على ما ابتدأناها به: أن نؤمن بكل تلك الغيبيات كما وردت، ونصدّق بها ونسلّم، ثم نصدِّق الأقوال بالفِعَال، فنستعدُ ونعمل.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق