الأحد، 4 أبريل 2010

نواقض الإسلام 3 (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 6/7/1423هـ)
الخطبة الأولى
فهذه الخطبة تأتي امتداداً لحديثنا السابق الذي ابتدأناه في الجمعتين الماضيتين حول نواقض الإسلام التي عدّها شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، حيث تحدثنا فيهما حول ستة منها؛ واليوم بإذن الله نستكمل الحديث حولها فنقول:
الناقض السابع من نواقض الإسلام: السحر. ومنه: الصرف والعطف. فمن فعله أو رضي به كفر. يقول الله تعالى: "واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر".
فالساحر كافر: "ولا يفلح الساحر حيث أتى"، ويجب قتله لأنه مفسد في الأرض؛ وبقاؤه على وجهها فتنة عظيمة وخطر جسيم على العباد؛ وفي قتله قطع لدابره وحسم لمادة شره..
وللسحر تأثير حقيقي بإذن الله؛ بدليل أن الله أمر نبيه أن يتعوذ منه في قوله: "ومن شر النفاثات في العقد"؛ وقد قال تعالى: "فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه" فدلّ على أن له حقيقة تكون سبباً للتفريق بين الزوجين، وأيضاً فقد سُحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وقد يكون تأثير السحر مجرد تخييل وتأثير على أعين الناس؛ كما كان حال سحرة فرعون حين حكى الله فعلهم فقال: "فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى".
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من إتيان السحرة أو قربهم؛ ولو لمجرد السؤال.. فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة". أما إذا سأله فصدّقه فإنه ينطبق عليه الحديث الآخر الذي رواه أحمد والحاكم بسند صححه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى عرافاً أو كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم".
الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، يقول تعالى: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم".
وهذا الباب فيه فتنة عظيمة؛ وقد ولجه كثير من الناس لجهلهم وقلة دينهم واتباعهم أهواءهم.. وما انتبه من هذه حاله إلى النصوص التي استفاض بها الكتاب والسنة في ذلك؛ بل قد عدّ الشيخ سليمان بن عبدالله رحمه الله أكثر من عشرين دليلاً على النهي عن موالاة الكفار.. ومما عدّه رحمه الله قول الله تعالى: "ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون".
فإذا كان وعد المشركين في السر بالدخول معهم ونصرتهم نفاقاً وكفراً وإن كان كذباً كحال المنافقين الذين سمّاهم الله الذين ما فعلوا ذلك إلا خوفاً من الدوائر، فكيف بمن أظهر ذلك صادقاً؛ ودعا إليهم ونصرهم وانقاد لهم وأعانهم بالمال والرأي؟!.
ومما يدخل تحت هذا الباب الدعوة إلى وحدة الأديان أو الديانة الإبراهيمية التي تجمع الملل الثلاث: (الإسلام واليهودية والنصرانية).. وهذه دعوة كفرية؛ بل هي من الكفر البواح والردة الظاهرة لما تتضمنه من تكذيب النصوص الصحيحة الصريحة في أن دين الإسلام فقط هو الذي ارتضاه الله لنا ديناً: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه". وهذه الدعوة تسعى فيما تسعى إلى إذابة أصل الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله.
الناقض التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام..لأن الله يقول: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه"، كما أن فيه تكذيباً لقول الله تعالى: "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"، ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري.
وممن وقع في هذا الكفر غلاة الصوفية والباطنية الذين يرون أن أئمتهم ومشايخهم قد بلغوا درجة يُرفع عنهم فيها التكليف؛ ويحل لهم أن يواقعوا ما شاءوا من المحرمات دون تحرج أو تأثم.
ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لمن بلغه دين النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار غيره عليه؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" رواه مسلم.
بل إن الله أخذ المواثيق على الأنبياء إن بُعث محمد أن يتبعوه ويؤمنوا به، قال تعالى: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين".
ولأجل ذلك فإن عيسى عليه السلام حين ينزل في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يأتي بشرع جديد.
ويمكن أن يجاب عن قصة الخضر مع موسى عليه السلام بأن موسى عليه السلام لم يبعث إلى الخضر، فقد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعث نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الناس عامة.
وقد يقال إن الخضر لم يخرج عن شريعة موسى عليه السلام بدليل أنه لما أطلع موسى على الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل وافقه موسى ولم يختلفا حينئذ، ولو كان ما فعله الخضر مخالفاً لشريعة موسى لما وافقه.
اللهم ارزقنا الفقه في الدين؛ واتباع هدي سيد المرسلين..
بارك الله لي ولكم.


الخطبة الثانية
الناقض العاشر من نواقض الإسلام: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به استغناء ونفوراً، والمراد الإعراض عن تعلم الأصل الذي يكون به الإنسان مسلماً .. يقول تعالى: "ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون".، وقال تعالى: "والذين كفروا عما أُنذروا معرضون".
ثم ختم المصنف رحمه الله رسالته النفيسة هذه بقوله: "ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطراً وأكثر ما يكون وقوعاً"اهـ
فمن وقع في ناقض من تلك النواقض هازلاً مازحاً أو جاداً قاصداً أو خائفاً فوت مال أو جاه فهو كافر؛ لا فرق. أما إن أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان فقد عذره الله تعالى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم".
وبعد.. فليعلم أن المسلم قد يقول قولاً أو يفعل فعلاً دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه كفر وردة عن الإسلام، لكن لا تلازم عند أهل العلم بين القول بأن هذا كفر وبين تكفير الرجل بعينه.
فليس كل من فعل مكفِّراً حُكم بكفره، لأنه لا بد أن تثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه، فالمرء قد يكون حيث عهد بإسلام، وقد يفعل مكفّراً لا يعلم أنه كفر، فإذا بُيّن له رجع، وقد يُنكِر شيئاً متأولاً أخطأ بتأويله..
وهذا أصل عظيم يجب تفهمه والعناية به، لأن التكفير ليس حقاً للمخلوق يكفّر من شاء بهواه، بل يجب الرجوع في ذلك إلى الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرّوني في الريح في البحر فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، ففعلوا ذلك فقال للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب، أو قال: مخافتك. فغفر له بذلك".
قال شيخ الإسلام: "فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذرّي، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلكن والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بالمغفرة من هذا"اهـ. اللهم ارزقنا الإخلاص وحسن الاتباع في القول والعمل، واعصمنا من الخطأ والزلل..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق