الأحد، 4 أبريل 2010

قضايا المرأة (3): الاختلاط (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 19/6/1430هـ)
الخطبة الأولى
لقد جاء دين الإسلام موافقاً للفطر السليمة والعقول المستقيمة؛ فإن التزمه الناس واستمسكوا به عاشوا حياة هادئة هانئة؛ وإن ابتعدوا عنه أو فرّطوا فيه تصدّع بنيان حياتهم فظهر فيهم الفساد والإفساد: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس".
أيها المسلمون.. ولا يزال الحديث متصلاً حول ما ينادي به بعض الكتّاب المفتونين من تحرير المرأة وذلك باختلاطها بالرجال ومخالطتها لهم في الشوارع والأسواق وأماكن العمل.
لقد زعموا وما زالوا يزعمون أن الاختلاط من مصلحة المجتمع؛ وهو سبب في تقدّم البلاد ورقيّ حضارتها؛ ويدلّلون على ذلك بواقع دول الغرب الكافر: "وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون".
لئن كان الاختلاط –كما يدّعون- سبباً في تقدّم الغرب؛ فكم جرّ عليهم من الوبال والخسران؟؟ ألا سألوا عن الأرقام المفجعة والإحصاءات المذهلة عن نسبة الحوامل من الزنا، وألوف الأطفال الذين وُلدوا بطرق غير شرعية، ناهيك عن حالات الإجهاض، ونسبة جرائم الخطف والاغتصاب، مع انحطاطٍ خلقي، وآثار مدمرة في الاقتصاد والاجتماع، تُنذر بانهيار المجتمعات، مع كثرة العوانس، ذلك أن وجود السبل الميسرة لقضاء الوطر صرفتهم عن تبعات الزواج وتكاليفه. فما فائدة التقدم عن طريق الاختلاط إذا كانت النتيجة كل هذا الدمار.
هذا كله على فرض أن الاختلاط سبب في التقدم؛ فكيف وهو ليس كذلك؟ لقد نادى عقلاء الغرب بسرعة تدارك الوضع وإصلاح حال المرأة في مجتمعاتهم؛ وصاروا يطلقون صيحات النذارة والندم على حضارتهم الهابطة التي أوردتهم الموارد.
تقول إحدى كاتبات الغرب: "آن لنا أن نبحث عما يخفف –إذا لم نقل عما يزيل- هذه المصائب العائدة بالعار على المدنية الغربية... إلى أن قالت: يا أيها الوالدان، لا يغرنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما باشتغالهن في المعامل ومصيرهن إلى ما ذكرنا. علّموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن أن الكيد الكامن لهن بالمرصاد.. لقد دلّنا الإحصاء أن البلاء الناتج من حمل الزنا يعظم ويتفاقم حيث يكثر اختلاط النساء بالرجال... ثم تختم مقالتها بقولها: لقد أدت بنا هذه الحالة إلى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان، حتى أصبح رجال مقاطعات بلادنا لا يقبلون المرأة زوجة شرعية. وهذا غاية الهبوط بالمدنية". اهـ.
وكتبت كاتبة أخرى قائلة: "لأن يشتغل بناتنا في البيوت خير وأخفّ بلاء من اشتغالهن في المعامل حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد... ثم تتحسر تلك الكاتبة وتقول: ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة؛ تتنعم المرأة بأرغد عيش.
إنه لعار على بلاد الغرب –والكلام لا يزال لها- أن تجعل بناتها مثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال، فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية من القيام بحق البيت وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها"اهـ.
أيها المسلمون.. إن من الحجج التي يجعلها دعاة الفتنة مسوّغاً للاختلاط: مسألة الوقت.. إذ يزعمون أن الاستعفاف والستر والفصل بين الجنسين هو سبب الفتنة؛ لأن كل ممنوع مرغوب. ويزعمون أن الوقت كفيل باعتياد الناس على رؤية المرأة بدون حجاب واختلاطها بالرجال.
ثم يواصلون تسويق باطلهم بقولهم: لا بد أن يحصل في البداية بعض التجاوزات والأخطاء والسلبيات تجاه المرأة المخالطة للرجال لأنهم لم يعتادوا رؤيتها هكذا؛ ولكن الوضع سيصبح مع الوقت مألوفاً؛ ويعتاده الناس ويتطور المجتمع تدريجياً.
والجواب عن هذا أن يقال: أي عاقل يرضى أن يكون عرضه قرباناً لتطور المجتمع؟ وأيّ غيور يجازف بعرضه وأهل بيته فيجعله عربوناً لهذا الهدف المتوهم؟
إن مسألة الاختلاط ليست جديدة على التاريخ؛ ولا فريدة في واقعنا المعاصر.. فإن اختلاطها بالرجال في الغرب متقدّم على واقعنا بزمن؛ ومع ذلك لا يزال الغرب يعاني من كثرة حالات الاغتصاب والاعتداء الجنسي على النساء.
ولو تنازلنا جدلاً وصدّقنا تلك الدعوى؛ فإن هذا يعني أنه لن يكون هناك زواج بين بني البشر؛ لأن الرجل اعتاد على رؤية المرأة في الشارع والمحل ومكان العمل؛ فلم يعد يشعر نحوها بميل أو انجذاب.
ثم إن فواحش اللواط والسحاق التي تفشّت في مجتمعات الأرض ردّ بليغ على مثل تلك الدعاوى؛ فإن هذه الفواحش تظهر بين صنفين ليس بينهما في الأصل تغطية وجه ولا عدم اختلاط، بل الأصل أن ليس بين الطرفين ميل تجاه صاحبه. فكيف يكون الحال في الاختلاط؟!
أيها المسلمون.. ومن الحجج التي يسوّغ بها دعاة الفتنة فتنتهم أن نساءنا مؤمنات عفيفات؛ وأن في منع الاختلاط دليلاً على عدم الثقة فيهن.
وهي حجة ساقطة بمجرد سوقها. فإن الله خالقُ الخلق؛ وقد شرع لهم ما يناسب طبيعتهم وهو الحكيم الخبير. أمر النساء بالبيوت؛ وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.
لماذا لم يحتجّ يوسف عليه السلام بالثقة حين فُتنت به امرأة العزيز؛ ألم يقل: "وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين".
لِمَ لم يتكئ النبي r على الثقة حين جاءته صفية وهو معتكف في المسجد؛ فلما قامت وقام معها؛ ورآه اثنان من الصحابة فأسرعا في المشي؛ فقال لهما النبي r: "على رسلكما إنها صفية". فقالا: "سبحان الله يا رسول الله" فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكم شيئاً". رواه البخاري. فهذا نبي الله r؛ وهؤلاء صحابته y؛ في مسجده؛ وفي العشر الأواخر من رمضان؛ وفي عصر النبوة والطهارة. ومع ذلك أبان لهما r موقفه؛ وأبان للبشرية طبيعة البشر وفطرتهم ونسف مسوّغ الثقة.
وإذا كانت الصدّيقة بنت الصديق؛ وزوجة خير المرسلين r؛ لم تسلم من ألسنة الإفك وأقاويل السوء؛ فماذا نقول عن عصرنا المليء بالفتن والشهوات؟ إن كانت عائشة قد نزلت براءتها من السماء؛ فمن يحمي نساءنا ويظهر براءتهن في هذا الزمن لو تعالت ألسنة الباطل ضدهن وتطاولت عليهن؟
أيها المسلمون.. هل يطمع إنسان في أمه طمعاً مشبوها؟ لقد أنزل الله على رسوله آيات تصون نساءه عن نظر الرجال: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين"، وقال سبحانه: "وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن"، وقال جل شأنه: "إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض". ويوضح سبحانه أن الحجاب والتغطية من وسائل إذهاب الرجس وحصول الطهر: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً". فانظر إلى الخطاب القرآني كيف يأمر بالحجاب ويشدّد على العفة والستر؛ ولا تجد فيه ولو إشارة إلى مسألة الثقة التي يدندن حولها دعاة الفتنة.
وأخيراً.. فإن المستثمر الأجنبي يتم التعامل معه بضوابط لحماية أموال الناس؛ ويقاس على ذلك أمور كثيرة كالتشدد في الترخيص لمحلات بيع السلاح أو بعض الأدوية ذات المضاعفات الخطيرة.. بل إن قطاع الأمن بكل أقسامه قد جُعل لضبط أمور الناس. فلماذا لا يتم النقاش حول هذه القضايا بالمسوغّ نفسه وأن المسألة دليل على عدم الثقة.
إن العقل كل العقل أن يتم ضبط الأمور ويُتعامل فيها بالحزم؛ وأن لا يلتفت إلى شعار الثقة.. وإن الصور والمقاطع المنتشرة عبر الجوال لبنات المسلمين لمؤشر ينسف تلك الثقة المتوهمة؛ إذ بمجرد أن خرجت المرأة في جو من الانفتاح اليسير تبيّن لنا مدى هشاشة الثقة التي لم يمنحها الله في ظل الخلوة.
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية
لقد جاءت أحاديث صحيحة صريحة في تحريم الأسباب المفضية إلى الاختلاط وهتك سنة المباعدة بين الرجال والنساء، ومنها تحريم الدخول على الأجنبية والخلوة بها، وتحريم سفر المرأة بلا محرم، وتحريم النظر العمد من أي منهما إلى الآخر، وتحريم دخول الرجال على النساء، وتحريم مسّ الرجل بدن الأجنبية حتى المصافحة للسلام، وتحريم تشبّه أحدهما بالآخر.
ومن قواعد الشرع المطهر أن الله إذا حرّم شيئاً حرم الأسباب والطرقَ والوسائل المفضية إليه، تحقيقاً لتحريمه، ومنعاً من القرب من حماه، قال تعالى: "وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً"، يقول بعض العلماء: والنهي عن قربان الزنا أبلغ من النهي عن مجرّد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه، فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
عباد الله، إن من حرص الشارع عن التباعد بين الرجال والنساء وعدم الاختلاط بينهم أن رغّب في ذلك حتى في أماكن العبادة، كالصلاة التي يشعر المصلي فيها بأنه بين يدي ربه بعيداً عما يتعلق بالدنيا، فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" رواه مسلم، وما ذاك إلا لقرب أول صفوف النساء من الرجال فكان شرَّ الصفوف، ولبعد آخر صفوف النساء من الرجال فكان خيرَ الصفوف، قال النووي رحمه الله: "وإنما فُضِّل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهنّ عن مخالطة الرجال، وذُمّ أولُ صفوفهن لعكس ذلك". وعندما خرج رسول الله r من المسجد فرأى اختلاطَ الرجال بالنساء في الطريق قال للنساء: "استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحْققن الطريق، عليكن بحافات الطريق"، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبَها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. رواه أبو داود. وعلى هذا صارت نساء المسلمين لا عهد لهن بالاختلاط الرجال، وأخبر رسول الله r أن صلاتها في بيتها خير من صلاتها في مسجدها فقال رسول r فيما رواه ابن عمر y عنه: "لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن" أخرجه أحمد وأصله في الصحيحين.
ومن حِرص الشارع على عدم الاختلاط: منعُ المرأة إذا خرجت للمسجد أن تتطيَّب له، فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" رواه مسلم، ولما رأت عائشة رضي الله عنها التغيّر الذي حدث في أحوال النساء بعد عصر النبوة قالت: لو أن رسول الله r رأى ما أحدث النساءُ لمنعهنَّ المسجدَ كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل. أخرجه مسلم. وهذا في زمن عائشة رضي الله عنها وعهدُ النبوة قريب، فكيف بهذا الزمن الذي كثر فيه الفساد، وظهر فيه التبرج، وشاع فيه السفور، وقلّ فيه الورع؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله.
قال ابن القيم رحمه الله في الطرق الحكمية: فصل: ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع من اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفُرَج ومجامع الرجال. فالإمام مسؤول عن ذلك، والفتنة به عظيمة، قال r: "ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء". وفي حديث آخر أنه قال للنساء: "لكنّ حافات الطريق".
ويجب عليه منع النساء من الخروج متزينات متجملات، ومنعهن من الثياب التي يكنّ بها كاسيات عاريات كالثياب الواسعة والرقاق؛ ومنعهن من حديث الرجال في الطرقات ومنع الرجال من ذلك.
وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهم في الطريق؛ فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك.
ولا ريبَ أن تمكينَ النساء من اختلاطهن بالرجال أصلُ كلِّ بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سببٌ لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام، والطواعين المتَّصلة، ولمَّا اختلط البغايا بعسكر موسى وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات منهم في يوم واحدٍ سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير.
فمن أعظم أسباب الموت العام: كثرة الزنا بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال والمشي بينهم متبرجات متجملات. ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك. اهـختاماً.. إن في الدعوة إلى الاختلاط دعوة لإشاعة الفاحشة في المجتمع؛ وقد توعّد الله من أحب إشاعة الفاحشة؛ فكيف بمن دعا إليها وسعى فيها: "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق