السبت، 3 أبريل 2010

أشراط الساعة 3 (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 5/8/1423هـ)
الخطبة الأولى
بعد أن تعم فتنة الدجال ويظهر على الأرض كلها إلا مكة والمدينة ويشتد خطره ويكثر أتباعه فلا ينجو من فتنته إلا قلة قليلة من المؤمنين الذين يمتحنون امتحاناً عظيماً؛ يأذن الله تعالى بالفرج فينزل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام من السماء عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعاً كفيه على جناحي ملكين، والمسلمون حينئذ مصطفون لصلاة الصبح خلف إمامهم المهدي عليه السلام، فينادي فيهم عيسى: أيها الناس، ما يمنعكم أن تخرجوا إلى هذا الكذاب الخبيث. فيقولون: هذا جني. فينطلقون فإذا هم بعيسى عليه السلام.
وصفته عليه السلام كما جاء في الأحاديث أنه مربوع القامة ليس بالطويل ولا بالقصير أحمر عريض الصدر مُرجّل الشعر؛ يبلغ شعره شحمة أذنيه ويملأ ما بين منكبيه؛ كأنما خرج من ديماس –أي حمام- أي في نضارته وكثرة ماء وجهه، يقطر رأسه ماء؛ وهذا دليل على أنه حديث عهد بترجيل شعره أو دليل أيضاً على نضارته وحسنه.
ثم تقام الصلاة فيتأخر إمامهم المهدي ويقول: تقدم يا روح الله. فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم. وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأمة.
ثم ينطلق عيسى عليه السلام بالمسلمين قاصداً المسيح الدجال، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه عليه السلام إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرْفه. ويكون الدجال حينئذ متوجهاً نحو بيت المقدس فيدركه عيسى عليه السلام عند باب بلدة (لد).. وحينما يرى الدجال عيسى يذوب كما يذوب الملح في الماء، فيقول له عيسى: إن لي فيك ضربة لن تفوتني، فيتداركه فيقتله بحربته وينهزم أتباع الدجال فيقتلهم عيسى عليه السلام والمؤمنون حتى يقول الشجر و الحجر: يا مسلم يا عبدالله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله. إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.
وقد تنبه اليهود لهذا فما اهتموا بشيء اهتمامهم بزراعته تصديقاً لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم يعلمون نبوته وصدقه.
وبقتل الدجال تنتهي أعظم فتنة على وجه الأرض؛ وينجي الله الذين آمنوا من شره وشر أتباعه على يد عيسى عليه السلام والمؤمنين.
ثم يأتي عيسى قومٌ قد عصمهم الله من الدجال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة.
ثم يحكم عليه السلام الأرض بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يأتي بشرع جديد.. فيملأ الأرض عدلاً ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الحرب ويفيض المال حتى لا يقبله أحد.. ويحج عليه السلام البيت الحرام فيهل بالحج أو بالعمرة أو يُثَنِّيهما من فج الروحاء –موضع قرب المدينة-.
وفي زمانه عليه السلام يعم الرخاء والأمن والسلام، ويرسل الله المطر فيغسل الأرض فيجعلها كالزَلَقة –أي كالمرآة- ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردّي بركتك.. فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها لعظمها.. ويبارَك في الرِسل –وهو اللبن- حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم تكفي الفخذ من الناس، ويحل الأمان في الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل والنمار مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد، ويُدعى الناس إلى المال فلا يقبله أحد، وتُترك الإبل لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة.
وخلال مدة بقاء عيسى في الأرض بعد قتل الدجال يوحي الله إلى عبده ونبيه عيسى عليه السلام أني قد أخرجت عباداً لي لا يُدان لأحد بقتالهم فحَرِّز عبادي إلى الطور.
ويبعث الله يأجوج ومأجوج من ذرية يافث من ولد نوح عليه السلام؛ وهم من كل حدب ينسلون.. يشبهون المغول؛ لا يموت الواحد منهم حتى يرى من ذريته ألفاً، صغار العيون ذُلْف الأنوف –أي أن أنف الواحد منهم قصير منبطح- شهب الشعور عراض الوجوه، لا يمرون بشيء إلا أفسدوه ولا بماء إلا شربوه.. يمرون على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها؛ فيأتي آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرةً ماء.
ويكون خروج يأجوج ومأجوج من جهة المشرق؛ حين يأذن الله لهم فيخرقون السد الذي بناه ذو القرنين الملك الصالح؛ وقد ورد ذكره في قول الله تعالى: "حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً* قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً..إلخ".
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن يأجوج ومأجوج كانوا يحفرون هذا السد، فإذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً؛ فيعيده الله أشد ما كان.. حتى إذا أذن الله لهم بالخروج قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً إن شاء الله واستثنى، فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس، ويفر الناس منهم..
ويسير يأجوج وماجوج حتى ينتهوا إلى جبل الخَمَر ببيت المقدس –والخمر الشجر الملتف الذي يستر من فيه؛ وهو جبل بيت المقدس- فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض؛ هَلُمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون سهامهم إلى السماء فيردها الله عليهم مخضوبة دماً..
ويُحصر عيسى عليه السلام والمؤمنون على الطور فيجأرون ويلجؤون إلى ربهم فيرسل الله على يأجوج ومأجوج النَغَف في رقابهم –والنغف دود يكون في أنوف الإبل والغنم- فيصبحون فرسى –أي قتلى- كموت نفس واحدة، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري نفسه فينظر ما فعل العدو، فيخرج رجل منهم فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي: يا معشر المسلمين ألا أبشروا فإن الله قد كفاكم عدوكم.. فينزل عيسى والمؤمنون فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم فيدعون الله فيرسل طيراً كأعناق البخت فتحملهم وتطرحهم حيث شاء الله.. وإن دواب الأرض لتسمن من لحومهم..
ويمكث عيسى عليه السلام في الأرض سبع سنين ثم يموت، وفي رواية: أربعين سنة.. وكلا الروايتين صحيحتان، وقد جمع بينهما بعضهم بأنه لما رفع كان عمره (33) سنة ثم ينزل فيبقى سبع سنين فتلك (40) سنة.
ثم يرسل الله ريحاً باردة من قِبَل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير إلا قبضته.
اللهم اعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن..
بارك الله لي ولكم..



الخطبة الثانية
لقد تلمّس بعض العلماء الحكمة من نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان دون غيره من الأنبياء، ولهم في ذلك عدة أقوال.. فمنهم من قال: إنه ينزل للرد على اليهود الذين زعموا أنهم قتلوه وصلبوه، "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم".. بل إنه عليه السلام –كما مر معنا- هو الذي يقتلهم ويقتل رئيسهم الدجال.
وقيل: إنه ينزل مكذِّباً للنصارى ومبطلاً لزيفهم في دعواهم الأباطيل؛ لذلك فإنه يكسر صليبهم ويضع الجزية فلا يقبل غير الإسلام.
وقيل: إنه ينزل من السماء لدنو أجله ليدفن في الأرض؛ فيوافق نزوله خروج الدجال فيقتله.
وقيل: إنه وجد في الإنجيل فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما ورد في قوله تعالى: "ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه"، فدعا الله أن يجعله منهم؛ فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجدداً لأمر الإسلام.
عباد الله.. لقد انقسمت البشرية في شأن هذا النبي الكريم إلى طرفين ووسط.. فمنهم من غلا فيه فجعله رباً وإلهاً وأنه ابن الله؛ وهم النصارى الضلال.. وأما اليهود المغضوب عليهم فرموه بأنه ولد زنا وادعوا قتله وصلبه.. وحاشاه عليه السلام من قول هؤلاء وأولئك.
أما المؤمنون فلا يقولون فيه إلا كما قال هو عن نفسه حين أنطقه الله في المهد: "إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبياً".
لقد أنطقه الله في المهد بما يرد على الطائفتين اللتين ضلتا فيه، فشهد لله بالوحدانية ولنفسه بالعبودية، وأثبت عبوديته لله؛ وأنه ليس إلا بشراً أرسله الله لهداية الناس ودعوتهم، وما ارتضى لنفسه يوماً أن يُعبد من دون الله. بل نطق بتوحيد الله في مهده وهو باق على هذا حتى تقوم الساعة وينزل في آخر الزمان؛ بل حتى في يوم القيامة حين يقول الله: "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله" فيقول عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام بمنتهى مقام الذلة لله والعبودية له: "سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب* ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد* إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم".
فنحمد الله تعالى على نعمة الإسلام؛ تلك العقيدة الصافية التي توافق العقول الصحيحة والفطر السليمة.. اللهم أعز الإسلام والمسلمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق