السبت، 3 أبريل 2010

اليوم الآخر (3): أهوال القيامة (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 21/1/1425هـ)
الخطبة الأولى
إن الإيمان باليوم الآخر من فرائض الدين وأسسه، بل هو ركن من أركان الإيمان العظيمة. وكثيرًا ما يَقْرِن الله تعالى بين الإيمان به سبحانه وبين الإيمان باليوم الآخر؛ لأن من لم يؤمن باليوم الآخر لا يمكن أن يؤمن بالله، إذ إن الذي لا يؤمن باليوم الآخر لا يعمل؛ لأنه لا يعمل إلا لما يرجوه من الكرامة ويخافه من العقوبة، فإن من لا يؤمن به صار كمن حكى الله عنهم: "وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ".
وهذا اليوم ـ عباد الله ـ يوم عظيم وخَطْب جَسِيم، مقداره خمسون ألف سنة، يجمع الله فيه الخلائق أجمعين، من لدُن آدم عليه السلام إلى من قامت عليهم الساعة؛ ليفصل بينهم ويجازيهم.
عباد الله، إن هذا الكون يجري بهذه الكائنات ويعجّ بها، فهو في حركة دائبة منتظمة، وسيبقى كذلك حتى يأمر الله بالفناء، حين يأمر جل وعلا إسرافيل عليه السلام بالنفخ في الصور وهو الملك المُوَكَّل به، فينفخ عليه السلام فيصعق الناس ويموتون، وتنتهي الحياة، بل تنتهي الدنيا كلها، وتبدأ الآخرة. وإسرافيل عليه السلام مستعد منذ وُكِّل بالصور، ينتظر الأمر الرباني لينفّذ، روى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله e: ((إن طَرْف صاحب الصور منذ وُكِّل به مُستعِد، ينظر نحو العرش مخافة أن يُؤمر قبل أن يرتدّ إليه طرفه، كأن عينيه كوكبان دُرِّيان)) وصححه الألباني، وعن أبي سعيد t قال: قال رسول الله e: ((كيف أنعم وقد الْتَقَم صاحب القَرْنِ القَرْنَ ـ والقَرْنُ هو الصور ـ، وحَنَى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ))، قال المسلمون: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: ((قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلنا على الله ربنا)) رواه الترمذي والحاكم وصححه الألباني.
وإذا صُعِق الناس بَلوا وفَنوا، وكل إنسان فإنه يفنى ولا يبقى منه إلا عَجْب الذَّنَب، وهو العظم الصلب المستدير الذي في أصل العَجُز وأصل الذَّنَب، إلا الأنبياء؛ فقد حرّم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، فأجسادهم في قبورهم كما هي حتى يبعثوا. ثم يرسل الله مطرًا فينبت الناس من عَجْب الذَّنَب كما ينبت البَقْل، حتى إذا نُفِخ في الصور النفخة الثانية نفخة البعث فإذا هم قيام ينظرون.
وأول من يبعث رسولنا ، وهو أول من تنشق عنه الأرض، في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال: ((إن الناس يصعقون فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطِش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صُعِق فأفاق، أو كان ممن استثنى الله عز وجل)). ثم يخرج الناس جميعًا من قبورهم حفاة عراة غُرْلاً أي: غير مختونين، فيحشرون على أرض غير هذه الأرض: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48]، وينسف الله الجبال نسفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:106، 107]. وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله : ((يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عَفْرَاء كقُرْصَة النَّقِي))، يعني الدقيق النقي من الغش والنخال، قال سهل أو غيره: ليس فيها مَعْلَم لأحد.
ويجتمع الناس على صعيد واحد في ذلك الموقف العظيم، فيغشاهم من الكرب ما يغشاهم، ويصيبهم الرعب والفزع، يشيب الولدان وتَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى [الحج:2]، وتشخص الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر، وتدنو الشمس من الخلائق مقدار مِيل؛ وأيًّا كان الميل ـ ميل المِكْحَلة أو المسافة المعروفة ـ فهي قريبة، ويبلغ العرقُ منهم مبالغ متفاوتة بحسب أعمالهم، فمنهم من يبلغ عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حِقْوَيه، ومنهم يبلغ إلى مَنْكِبَيه، ومنهم من يُلْجِمه العرق إلجامًا، أي: يصل إلى موضع اللِّجَام في الفرس وهو الفم، وتبقى طائفة في ظل ظليل، في ظل الله عز وجل يتنعمون، منهم السبعة الذين أخبر النبي في الحديث الصحيح عن أبي هريرة.
ويسعى الناس إلى آدم وأولي العزم من الأنبياء: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد؛ ليشفعوا لهم إلى ربهم ليفصل بينهم، كلما كلموا نبيًا اعتذر وأحالهم إلى من بعده، حتى يأتوا أفضل الخلق وسيد النبيين والمرسلين محمدًا فيكلمونه فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يذهب فيسجد تحت العرش فيَشْفَع فيُشَفَّع.
وتنزل ملائكة السماء الدنيا فيحيطون بالناس، ثم ملائكة السماء الثانية من ورائهم حتى السابعة، ثم يجيء الله سبحانه كما يليق بجلاله وعظمته على عرشه يحمله ثمانية من الملائكة ليفصل بين العباد.
ويُنصب الميزان فتوزن به أعمال العباد، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:102، 103].
وتُنشر دواوين الخلق وهي صحائف الأعمال التي كتبها الملائكة الحافظون، فيُعطَى كل إنسان كتابه مفتوحًا: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:13، 14]. فأما المؤمن فيأخذ كتابه بيمينه ويقول: هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19، 20]، يعني تيقنت الحساب وعملت له. وأما الكافر فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره إذلالاً وتقريعًا ويقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:25-29].
ويحاسب الله الخلائق من الإنس والجن إلا من استثني، مثل السبعين ألفًا الذين أخبر النبي عنهم أنهم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يَسْتَرْقُون ولا يكتوون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون.
ويخلو الله بعبده المؤمن، ويضع عليه سِتره فلا يسمعه أحد، ولا يراه أحد، ويقرّره بذنوبه: عملت كذا، وعملت كذا، فيقرّ ويعترف، ثم يقول الله: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. وأما الكفار فيُنادَى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين. ويختم الله على أفواههم، وتشهد عليهم ألسنتهم وأسماعهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت:21-23].
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية
وفي عَرَصَات القيامة الحوض المورود لنبينا ، ولكل نبي حوض، وحوض نبينا أعظمها وأفضلها، طوله شهر وعرضه شهر، يصب فيه مِيزَابان من نهر الكوثر في الجنة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من ريح المسك، آنيته كنجوم السماء عددًا ووصفًا ولمعانًا، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا. وأما واردوه فالمؤمنون بالله ورسوله المتبعون لشريعته، وأما الذين استنكفوا واستكبروا عن اتباعه فإنهم مطرودون عنه.
ويُنصب الصراط على مَتْن جهنم، وهو جسر دَحضٌ مَزلَّة، أدق من الشعر وأحدّ من السيف، عليه كَلالِيب تخطف الناس، يمر الناس عليه إلا الكفار؛ لأنهم قد أُمر بهم إلى جهنم وسيقوا إليها. ويُعطى المؤمنون نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، ويُطفأ نور المنافقين فيقولون للمؤمنين: انظرونا نَقْتَبس من نوركم، فيقال: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، ويُضرب بينهم وبين المؤمنين بسور له باب باطنه جهة المؤمنين فيه الرحمة والجنة، وظاهره جهة المنافقين من قِبله العذاب والنار.
ويكون مرور الناس على الصراط على قدر أعمالهم ومسارعتهم إلى طاعة الله في الدنيا، فمنهم من يمر كلَمْح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ثم كالريح، ثم كالفرس الجواد، ثم كركاب الإبل، ومنهم من يعدو، ثم من يمشي، ثم من يزحف، ومنهم من تخطفه الكَلالِيب فتلقيه في النار كعصاة الموحّدين الذين قضى الله عليهم أن يُعذّبوا قبل أن يخرجوا إلى الجنة. وهذا المرور على الصراط هو الورود الذي في قول الله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71]. فورورد الكفار هو دخول النار، وأما ورود المؤمنين فهو المرور على الصراط فوق النار حتى يصيروا إلى الجنة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق