الأحد، 4 أبريل 2010

نواقض الإسلام 2 (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 28/6/1423هـ)
الخطبة الأولى
قد تقدم بنا الكلام في الجمعة الماضية عن عظم مكانة الدين وجلالة قدره ولزوم المحافظة عليه والحذر مما ينقضه ويهدمه، ثم انتقل بنا الحديث إلى وقفات مع نواقض الإسلام التي عدها شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، فتعرضنا لثلاثة نواقض: 1/ الشرك في عبادة الله، 2/ من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم الشفاعة، 3/ من لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم.. وإليه انتهى حديثنا..
ونواصل اليوم الكلام حول ما يتيسر من بقية هذه النواقض فنقول:
الناقض الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه.
فهذا الناقض ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه.. وهذا كفر صراح لمصادمته للنقل والعقل..
يقول الله تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، ويقول سبحانه: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم". رواه مسلم.. فهديه صلوات الله وسلامه عليه أكمل الهدي لأنه وحي يوحى إليه..
وقد أجمع العلماء الذين يعتد بإجماعهم على أن السنة هي الأصل الثاني من أصول الدين، وأنها مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في التحليل والتحريم.
فهديه وشرعه ناسخ لجميع الشرائع، وهو أسهل الشرائع وأيسرها.. يقول صلى الله عليه وسلم: "أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة" أخرجه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني.. فكيف مع ذلك يكون هدي غيره أكمل من هديه.
ولقد امتن الله علينا بإكمال الدين وإتمام النعمة؛ وذلك بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فما رضي ربنا لنا فنحن نرضاه لأنه الدين الذي أحبه ورضيه وبعث به أفضل المرسلين.. وكل من ابتغى غير هذا الدين فهو من الكافرين: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"..
القسم الثاني: أن يعتقد أن حكم غير النبي صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه، كمن يفضّل حكم الطواغيت على حكمه. فهذا كافر بإجماع أهل العلم؛ يقول تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون".. لأنهم فضّلوا أحكام أناس مثلهم –وربما دونهم- على حكم أفضل الخلق أجمعين الذي بعثه الله هدى للعالمين: "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد"..
إضافة إلى أن في هذا تنقصاً للخالق جل وعلا، فهو الذي ارتضى هذا الشرع وحكم به: "ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون".
ثم أليس من تفضّل عليهم وهداهم إلى هذا الحكم هو الله؟ فهل عجز الله أن يشرّع ذلك الحكم على لسان أحب خلقه إليه وأكرمهم عليه –تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-؟!
وصدق الله: "وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم* صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور".
عباد الله.. إن المسلم يعلم أن حكم الله ورسوله مقدّم على كل حكم، فما من مسألة تقع بين الناس إلا مردها إلى الله والرسول، وهذا من مقتضيات شهادة التوحيد لأن من شروطها الانقياد لما جاءت به.. ومن تحاكم إلى غير حكم الله ورسوله فقد كفر: "ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً"… إلى أن قال سبحانه: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً"..
فأقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يستكملوا ثلاث صفات:
1/ أن يحكّموا الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أمورهم.
2/ أن لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى به.
3/ أن يسلموا تسليماً كاملاً لحكمه.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: "من اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً؛ أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال فلا ريب أنه كفر، لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالة الأذهان وصِرْف نحاتة الأفكار على حكم الحكيم الحميد".اهـ.
وقال رحمه الله أيضاً: "فانظر كيف سجّل تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق، ومن الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ولا يكون كافراً، بل كافر مطلقاً، إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد".
ثم ساق رحمه الله تعالى تحت كفر الاعتقاد الذي ينقل عن الملة أنواعاً وصوراً:
1/ أن يجحد أحقية حكم الله ورسوله.
2/ أو يعتقد أن حكم الله ورسوله حق لكن حكم غيرهما أحسن من حكمهما وأتم وأشمل. ويدخل في هذا قول من يقول: إن إنفاذ حكم الله في رجم الزاني المحصن وقطع يد السارق لا يناسب في هذا العصر المتحضر
3/ أو يعتقد أن حكمهما حق، لكن حكم غيرهما مثل حكمهما لا فرق.
4/ أو يعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله.
5/ ومن ذلك إيجاد محاكم وضعية مراجعها القوانين الوضعية. وهذا أظهر معاندة للشرع وأعظم مكابرة لأحكامه.. وأي كفر فوق هذا الكفر؟!.
6/ ومن ذلك ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من حكايات آبائهم وأجدادهم التي ورثوها منهم؛ فيحكمون به رغبة إعراضاً عن حكم الله.
وأما كفر العمل الذي لا يخرج عن الملة فهو أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في قضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده بأن حكم الله ورسوله هو الحق واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه..
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثانية
الناقض الخامس من نواقض الإسلام: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كفر، لقوله تعالى: "ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم". وقال تعالى عن الكافرين: "أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون".
وقد وصف الله المنافقين بهذه الصفة فقال: "ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون"، وقال عنهم: "فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله".
ولذلك فقد عدّ العلماء –ومنهم الإمام المجدد رحمه الله- هذه الصفة من صفات النفاق الاعتقادي الذي يخرج صاحبه من الملة ويوجب له الدرك الأسفل من النار.
ومن وقع في هذا الناقض فهو كافر وإن عمل بالنصوص لأنه ينافي شهادة التوحيد، فإن من شروط (لا إله إلا الله) المحبة لما دلت عليه والسرور به، ومن شروطها أيضاً القبول والتسليم لما جاءت به.
ومن صور هذا الناقض في عصرنا: ما يتفوه به كثير من الكتّاب والمثقفين الذين رضعوا ثقافة الكفار وتغذوا بها حول بعض شرائع الإسلام كتعدد الزوجات أو كون المرأة ليست كالرجل في الدية والشهادة ونحو ذلك، فتجدهم يمدون ألسنتهم للنصوص الواردة في ذلك فيردونها أو يصرفونها عن ظاهرها أو يضعّفونها لحجة مخالفتها للعقل. وما علم هؤلاء وأمثالهم أنهم يحاربون الله ورسوله ويردّون على الله أمره، نعوذ بالله من الخذلان.
الناقض السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه؛ كفر، لقول الله تعالى: "قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن* لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم".
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "إن الاستهزاء بالله ورسوله كفر يخرج عن الدين، لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك مناف لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة"اهـ.
فمن استهزأ بشيء مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كفر بإجماع المسلمين ولو لم يقصد الاستهزاء؛ كما لو هزل مازحاً.
قال الشيخ سليمان بن عبدالله: "أجمع العلماء على كفر من استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه ولو هازلاً لم يقصد حقيقة الاستهزاء"اهـ.
وهل نزلت الآية إلا فيمن كانوا يخوضون ويلعبون يقطعون به عن أنفسهم عناء الطريق..
ومن صور هذا الاستهزاء الكفري: الاستهزاء بالعلم الشرعي وأهله لأجل العلم، والاستهزاء بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لأجل أمرهم به ونهيهم عنه، والاستهزاء بالمصلي لأجل صلاته، ومعفي لحيته لأجل إعفائها، وتارك الربا لتركه، والمرأة المتحجبة لحجابها، وسواء قصد الحط من شأن الشريعة أو قصد إضحاك الآخرين. وسواء كان هذا الاستهزاء صريحاً أو غير صريح كالإشارة والرمز والهمز واللمز والغمز.
يقول تعالى: "إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون* وإذا مروا بهم يتغامزون* وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين* وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون* وما أرسلوا عليهم حافظين"
وإن الواجب على كل مسلم أن يصارم المستهزئين بدين الله وألا يجالسهم لئلا يكون معهم: "وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً". اللهم ارزقنا الثبات على دينك حتى نلقاك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق