السبت، 3 أبريل 2010

في بيت النبوة 2 (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 10/6/1424هـ)
الخطبة الأولى
لقد جاءت نصوص الوحيين مستفيضة بذكر حقوق الزوجين وواجباتهما؛ حاضة على أن يقوم كلٌ منهما بما عليه من حق شريكه.. وإن البيت الذي لا تقوم أركانه ولا تبنى أساساته على نور من الكتاب والسنة لحري ألا يدوم بنيانه إن بني.
عباد الله.. هذه دعوة وعودة سريعة لتلك الرحلة الماتعة –التي عشنا جزءاً منها في الجمعة الماضية- بين جنبات ذلك البيت الرائع الجميل؛ الذي عاش بين جدرانه أفضل وأكمل وأعظم زوج وطئت قدمه الأرض عليه الصلاة والسلام؛ عاش فيه مع تسع نسوة هن زوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن.. ورغم كل المهام العظام التي كان يتحملها؛ من قيادة الأمة ودعوة العالمين لدين الله؛ ورغم ضيق العيش وقلة ذات اليد؛ إلا أن هديه عليه الصلاة والسلام كزوج كان أكمل هدي وأتمه؛ وصدق الله: "وإنك لعلى خلق عظيم".
فلنقارن –يا عباد الله- بين تلك الصور الفذة الفريدة في لطفه وبره –بأبي هو وأمي- صلوات الله وسلامه عليه، وبين كثير من النماذج التي تحدث من الرجال في بيوتهم..
لقد كان ينادي عائشة بترخيم اسمها تلطفاً وتودداً؛ فيقول: "يا عائش، هذا جبريل يقرئك السلام". رواه البخاري ومسلم.
ويوضح في غير ما موضع المكانة الرفيعة للمرأة عنده.. يسأله عمرو بن العاص رضي الله عنه فيقول: أي الناس أحب إليك؟ فيقول: "عائشة".
وتروي رضي الله عنها –عن حسن معاشرته- فتقول: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء بيني وبينه تختلف أيدينا عليه؛ فيبادرني إليه حتى أقول: دع لي دع لي.
وتدافعا عند الخروج من الباب مرة.
ويضرب صلى الله عليه وسلم أروع الصور في لين الجانب ومعرفة الرغبات العاطفية والنفسية للزوجة.. تروي عائشة رضي الله عنها تقول: كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيّ، وأتعرق العرق –أي آخذ ما على العظم من اللحم- فيتناوله ويضع فاه في موضع فيّ..بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه.
وعنها رضي الله عنها قالت: ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً قطن إن اشتهاه أكله وإلا تركه. رواه البخاري
ولا تنس يا رعاك الله ذينك الموقفين –اللذين تقدما معنا- البسيطين في فعلهما العظيمين في تأثيرهما؛ أولهما حين كانت عائشة تنظر من فوق عاتقه للحبشة وهم يلعبون بحرابهم في المسجد؛ وهو يسترها؛ فما ينصرف حتى تكون هي التي تنصرف.
وأما الآخر فحينما كانت رضي الله عنها معه في سفر؛ فأمر الناس فتقدموا ثم قال لها: "تعالي أسابقك" فسابقته فسبقته، ثم خرجت معه في سفر وقد سمنت وبدنت؛ فأمر الناس فتقدموا ودعاها ليسابقها فسبقها؛ ثم قال لها ملاطفاً ممازحاً وهو يضحك: "هذه بتلك".
وأخرج الشيخان عنها رضي الله عنها أنها قالت: كنت ألعب بالبنات –أي بتماثيل البنات- عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تأتيني صواحبي فينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأينه –أي يستترن منه- فيسرّبهن إليّ. أي يردهن ويرسلهن إلي فيلعبن معي.
وقدم صلى الله عليه وسلم من غزوة؛ فدخل على عائشة؛ فهبت ريح فكشفت ناحيةً عن بنات لُعبٍ لها؛ فقال: "ما هذا؟" قالت: بناتي. ورأى بين ظهرانيهن فرساً له جناحان، قال: "فرس له جناحان؟!" فقالت: أو ما سمعت بأن لسليمان حيلاً لها أجنحة.. فضحك حتى بدت نواجذه.
وفي الحديث المشهور المسمى بحديث أم زرع؛ وملخصه أن إحدى عشرة امرأة جلسن فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً؛ حتى جاء الدور على الأخيرة –أم زرع- فجعلت تمدحه وتثني عليه لجميل صنيعه معها مع أنه طلقها؛ وفي آخر الحديث يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة مداعباً: "كنت لك كأبي زرع لأم زرع، غير أني لم أطلقك".
بل تأمل وتأمل وتأمل –يا رعاك الله- وصف جابر بن عبدالله رضي الله عنهما لحجة النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما رواها الإمام مسلم في صحيحه.. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة حين حاضت وقد أحرمت أن تدخل العمرة في الحج؛ فلما انقضى الحج قالت: يا رسول الله. يصدر الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة..قال جابر: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً سهلاً إذا هويت شيئاً تابعها عليه. فأرسلها مع عبدالرحمن بن أبي بكر فأهلت بعمرة من التنعيم.
قال النووي: معناه إذا هويت شيئاً لا نقص فيه في الدين أجابها إليه، وفيه حسن معاشرة الأزواج لا سيما فيما كان من باب الطاعة.اهـ.
فانظر كيف كانت رعاية المصطفى لزوجته وحبيبته أم المؤمنين عائشة وقد كان دخل بها وهى حديثة السن صغيرة، انظر كيف كان يرعى مشاعرها وينتبه إلى متطلباتها وما تهفو إليه نفسها من المباحات فيوفر ذلك لها على قدر طاقته: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً".



الخطبة الثانية
إن العلاقة بين الزوجين لا تنقطع بالموت؛ بل يبقى حبل الود بإكرام أهل ود الزوج أو الزوجة حتى بعد موته، ولنا في نبينا الأسوة الحسنة في مثل هذا.
لقد كانت خديجة رضي الله عنها بمواقفها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير معين له على دعوته ونشر رسالة الخير بين العالمين، فقد واسته بنفسها ومالها في أحلك الطروف وأشدها.. فقد كانت كلماتها الرقيقة له حين عودته من حراء إبان نزول الوحي بلسماً شافياً؛ شدَت من أزره وعاضدته على أمره؛ بل وكانت أول من آمن به..
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي ينسى فضلها؛ وحاشاه عليه السلام، لم يتزوج عليها حتى ماتت؛ ولم يرزق ولداً إلا منها ما عدا إبراهيم.. جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: هذه خديجة قد أتتك ومعها إناء فيه إدام أو طعام فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
وقال صلى الله عليه وسلم: "سيدات نساء أهل الجنة" وفي رواية: "خري نساء العالمين أربع: مريم وفاطمة وخديجة وآسية".
تقول عائشة رضي الله عنها كما عند مسلم: ما غِرْتُ للنبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها، وما رأيتها قط.
وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا ذَبَحَ الشّاةَ يَقُولُ: "أَرْسِلُوا بِهَا إِلَىَ أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ" قَالَتْ: فَأَغْضَبْتُهُ يَوْماً فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنّي قَدْ رُزِقْتُ حُبّها"، واسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، أُخْتُ خَدِيجَةَ، عَلَىَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم. فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاحَ لِذَلِكَ. فَقَالَ: "اللّهُمّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ" فَغِرْتُ فَقُلْتُ: وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءَ الشّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللّهُ خَيْراً مِنْهَا، زاد الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبدلني الله خيراً منها؟! قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها وحرمني أولاد النساء".
وبعد أيها المسلمون، فهذا غيض من فيض، وتلك صور قليلة مما حفلت به كتب السنة موضحةً كيف كان النبي يتعاهد أزواجه.هذا هو هدى المصطفى إنه نموذج رفيع فيما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين وما ينبغي أن يعامل به الرجل زوجته بالرفق واللين ورعاية مشاعرها ومتطلباتها المباحة التي لا تغضب الله ورسوله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق