الأحد، 4 أبريل 2010

قضايا المرأة (2): قيادة المرأة للسيارة (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 12/6/1430هـ)
الخطبة الأولى
إن قاعدة الشريعة العظيمة هي في تحصيل المصالح وتكميلها؛ ودرء المفاسد وتقليلها؛ وإنك لتجد أحكام الدين -على شمولها لكل شيء- مؤسسةً على هذا المبدأ الشرعي العظيم. ولذا فإن كل ما شرعه الله لعباده من الأحكام الواجبة والمستحبة فيه من المصالح ما يربو على مفاسده إن كان فيه مفاسد؛ وكلما كانت المصلحة في الفعل أعظم وأكثر كان حكم الفعل في الأمر آكد حتى تصل إلى أوجب الواجبات وهو توحيد الله. وكل ما نهى الله عباده عنه من الأحكام المحرمة والمكروهة فإن فيه من المفاسد ما يربو على مصالحه إن كان فيه مصالح؛ وكلما كانت المفسدة أعظم وأكثر كان حكم الفعل في النهي آكد حتى تصل إلى أعظم المحرمات وهو الشرك بالله.
أيها المسلمون.. والحديث متصل حول قضية المرأة التي جعلها بعض الكتّاب قضيته الأولى ومعضلته الكبرى؛ فلا يكاد يكتب مقالاً أو يقدم أطروحة إعلامية إلا وهو يتحدث حول المرأة وعنها وفيها؛ فهو المحامي الأول عنها والنصير البشري الأعظم لها والمدافع الأكبر عن حقوقها.
وكذبوا والله.. إذ لو صدقوا فيما ادّعوا؛ لابتدؤوا من أعظم قضايا المرأة كالعنوسة والطلاق وغيرها فاجتهدوا في حلّها من خلال شريعة الله التي كفلت للمرأة كل حقوقها ومنحتها إياها؛ ولَسَعَوا من خلال القنوات الشرعية عبر ولاة الأمر من العلماء والأمراء إلى إنهاء تلك القضايا ومعالجتها من جذورها.
ولكن المتابع لكتابات أولئك الكتبة يجد نقيض ذلك تماما؛ فلا تجدهم يتحدثون إلا عن بعض القضايا التي تعدّ توافه أمام قضية العنوسة وارتفاع نسب الطلاق والتحرش والتغريب الموجه ضد المجتمع عموماً والمرأة خصوصاً. ثم تراهم يتحدثون من خلال منظور غربي بحت؛ فلا تكاد تجد في أطروحاتهم ومقالاتهم آية أو حديثاً أو نقلاً عن عالم من علماء الأمة المعتبرين. بل وتعجب أنهم يحرصون على تقديم الدراسات والأبحاث وذكر الأرقام والإحصاءات في القضايا الأخرى دون قضية المرأة؛ فلا تجد واحداً منهم قدّم دراسة أو إحصائية في مثل قيادة المرأة للسيارة؛ بل لا يجاوز قلم بعضهم النوح على حال المرأة بمقارنتها بنساء الغرب الكافر وأنها مظلومة ومهضومة.
وإن من القضايا التافهة التي شغلنا بها هؤلاء الكتّاب حتى لا يكاد يمرّ بنا يوماً لا نجد حديثاً إعلامياً حولها: قضية قيادة المرأة للسيارة.
فهل انتهت كل قضايا المرأة حتى لم يبق إلا قيادتها للسيارة؟! مع أن قيادة السيارة وسيلة وليست غاية حتى نجعلها مشكلة أصلا.
عباد الله.. وكعادة أهل الباطل فإنهم لا يقدّمون باطلهم محضاً صرفاً؛ لأنهم يعلمون أن الناس حتى البسطاء منهم لا يمكن أن يقبلوا الباطل في ثوبه الحقيقي؛ ولذلك تجد أهل الباطل يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون.. فترى أولئك الكتّاب يستمسكون في قيادة المرأة للسيارة بأدلة واهية وببعض المصالح المتوهمة؛ التي إن تحققت فستجرّ من المفاسد ما لا يتناهى..
فمما يستدلون به: أنَّ النساءَ قد ركبْنَ في زمنِ النبي r الإبلَ لوحدِهن ولم يُنكَرْ عليهن، وهذا الكلامُ لا دليلَ عليه، فلم يثبتْ في دليل، ولا توجد حادثةٌ تشهدُ لقولهم بل بالعكس؛ فإنَّ من يراجعُ أحاديثَ النبيِ r وسيرتَه يتضحُ له أنَّ النساءَ كن يركبْنَ متستراتٍ في الهودجِ على ظهورِ الإبلِ، ويقودُ بهن أحدُ الرجالِ من محارمهنَّ كما روى البخاريُ: أنَّ النبيَ r كان من سيرتِه أنَّهُ يخرجُ بإحدى نسائِه في غزواتِه، ويجعلُها تركبُ في الهودج ، ويأمرُ أحداً يقودُ بها البعيرُ أو من المماليكِ، أو يركبْن رديفاتٍ لأحدِ محارمِهنَّ، أي خلف ظهرِه، كما في البخاري أنَّ النبيَّ r أمر عبدَالرحمنِ بنَ أبي بكر الصديق أن يردفَ عائشةَ، ويعمرَها من التنعيم.
وعلى التسليِم أنها تقودُ الجملَ، فهل يقارن عاقل بين الجملِ والسيارة، أليستْ السيارةُ تحتاجُ إلى أوراقٍ ثبوتية، وتأكدٍ من هويةِ السائق، إضافةً إلى ما يترتبُ عليها من الحوادثِ المتلفةِ للأنفسِ والممتلكات، ولما تتطلبُه قيادتهُا من الفنِ والمهارةِ، وقد جُعلتْ لها أقسامٌ دوريةٌ وجهاتٌ رسمية، لم تجعلْ للجمالِ والبغالِ والحمير !!
وأما المصالح التي يتمسك بها هؤلاء الكتّاب؛ فمنها: التخلص من السائقين؛ ومن الخلوة المحرمة التي تحصل كثيراً معهم؛ إذ إن عدم السماح للمرأة بقيادة السيارة يضطرها إلى الركوب مع سائق أجنبي يخلو بها.
وعجيب أن لا تجد هذه الغيرة إلا في هذا الموضع؛ فلا تجدها عند الحديث عن الخادمات في البيوت والخلوة التي قد تحصل لهن؛ بل ولا عند الحديث عن سفر هؤلاء الخادمات من بلدانهن وإليها؛ وبقائهن في خلوة محرمة أعواماً. ناهيك عن مشكلات الخادمات مع العمّال والباعة. بالرغم من أن خطورة الخادمات أعظم من خطورة السائقين؛ والقصص التي نسمعها حول مشكلاتهن أكثر بكثير من قضايا السائقين.
كما أنك لا تجد هذه الغيرة تثير الحديث حول الخلوة التي تكثر في المجتمعات الطبية؛ وفي المجتمعات الجامعية؛ وعلى الطائرات بين المضيفين والمضيفات.
بل وأعجب من ذلك: أن غيرة أولئك الكتّاب تسقط حين يتكلمون عن ضرورة السماح للمرأة بالسفر بلا محرم؛ وخروجها بلا محرم؛ وضرورة إلغاء الولاية عليها.
وأما كون قيادة المرأة للسيارة سيغنينا عن السائقين؛ فهو محض افتراء وكذب.. فإن المرأة في كل بلاد العالم تقود السيارة؛ حتى في أشبه البلاد اجتماعياً ببلادنا وهي بلاد الخليج؛ فهل تُراهم استغنوا عن السائقين؟! إن الدراسات قد أثبتت أن أكثر من 80% من سكان الخليج لديهم سائقون؛ مع أن قيادة المرأة للسيارة عندهم متاحة.
ومن المصالح التي يستمسكون بها: التوفير المالي. حيث إنهم يزعمون أن السائق يستنزف منّا أموالاً طائلة لا تقتصر على الرواتب؛ بل تشمل العلاج والطعام والسكن. وكل تلك الأموال تهاجر إلى خارج بلادنا؛ وكان الأولى بها أن تبقى لدعم اقتصاد البلد.
وهذه دعوى عليلة؛ فإن خروج المرأة لقيادة السيارة يعني خلوّ البيت من المرأة التي ترعى شؤونه وتربي النشء فيه؛ وهذا يعني ضرورة إيجاد خادمات مربيات يغطين هذا الفراغ الموجود؛ ما يعني أن الأموال لا تزال مستنزفة وتظل تصبّ في مصلحة غير هذا البلد. ناهيك عن أن الأصل أن السائق يقود سيارة واحدة وينقل فيها أكثر من امرأة؛ فإذا ألغينا وجود السائق؛ فقد أوجدنا أكثر من سيارة بعدد النساء اللاتي كنّ يركبن في سيارة واحدة مع السائق. فأين التوفير المالي المزعوم؟
ثم إن قيادة المرأة للسيارة يستوجب كشف وجهها أو على الأقل خروج عينيها؛ وهذا يعني أنها لا بدّ أن تستعدّ لذلك بمساحيق التجميل؛ ومن يدري؟! فقد تسمع حينها بمكياج السيارات كما سمعنا بمكياج الأسواق! ولا تنس أن فطرة المرأة في التجمل والزينة قد تدفعها إلى تجميل السيارة وتزيينها. فهل وفّرنا أموالنا؟
إن قضية المال لا توازي مسألة العرض؛ وإن العربي عموماً والمسلم خصوصاً يحرص على قداسة عرضه وعدم تدنسه ولو عاش فقيراً.
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
عباد الله.. ومن المصالح التي يتشبث بها أولئك الكتبة: أن هناك أسراً لا يوجدُ من يعولهُم، وأرامل لا ولي يقومُ على شؤونهِم، وأن السماحُ لن بالقيادة فيه دفع لحاجتهن، وتخفيف لضرورتهن، ويقال لهؤلاء: إنَّ الأراملَ والمحتاجاتِ في المجتمع لن يستفدْن من السماحِ للمرأةِ بقيادةِ السيارة شيئا، لأنَّ غالبَهن لا يستطيعن شراءَ السيارةِ فضلاً عن تحملِ تبعاتهِا، لكونهنَّ لا يستطعنْ تحملَ تبعاتِ بيوتهِن أصلاً!! وإذا كانتْ أمهاتُ الأسرِ الفقيرة بحاجةٍ إلى القيادةِ فليحضرْن سائقاً يقضين به ضرورتهَن مع عدمِ الخلوةِ بهن بحالٍ من الأحوال، مع العلمِ أنَّه قد وفر الكثير من حاجات النقل الضرورية، فالتعليمُ العامُ والجامعيُّ تتوفرُ فيه حافلاتُ نقلٍ مجانية ، والمستشفيات فد وُفرتْ لها سياراتُ الإسعافِ لنقل المرضى من أي مكانٍ في البلدِ إلى المستشفيات، فضلاً عن الجمعيات الخيرية التي تقومُ على الأسرِ المحتاجةِ، والترابطِ الاجتماعي المتميزِ في هذا البلدِ، بين غالبِ الأقاربِ والجيران.
بارك الله لي ولكم.


الخطبة الثانية
أيها المسلمون.. إن قيادة المرأة للسيارة تفوح منها مفاسد وهي لم تقع؛ ولا ندري عن المفاسد التي لم ندركها؛ وستظهر لو جاء اليوم الذي يؤذن فيه للمرأة بذلك؛ نسأل الله أن لا يأتي ذلك اليوم.
إن من المفاسد والمفاسد جمّة؛ كثرة خروج المرأة من البيت وعدم القرار فيه، ولا شك أن هذا مصادم لأمر الله تعالى في قوله: "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى".
إضافة إلى ما سيترتب على القيادة من تبرج وسفور وخلع لحجاب المرأة ، فمما لا شك فيه أن قيادة المرأة للسيارة من أسرع الطرق لخلع الحجاب بحجة رؤية الطريق بوضوح، بل إن القيادة طريق لإلزامها بخلع الحجاب احتجاجاً بالمصلحة الأمنية، كما حدث هذا في بعض الدول الخليجية الملاصقة لبلادنا، إضافة إلى تكرار مطالبة المرأة بخلع حجابها وإظهار وجهها للتأكد من هويتها. إضافة إلى مفسدة تصوير المرأة حيث إنها ستلزم باستخراج رخصة قيادة للسيارة، والتي لابد فيها من الصورة، وسينظر إلى صورتها الرجال عند إصدار الرخصة وتجديدها، وعند التحقق من هويتها عند التفتيش، وعند وقوع الحوادث والمخالفات.
ومن المفاسد: الاختلاط بالرجال، وأشد من ذلك الخلوة المحرمة بالرجال في الورش والمحطات ونقاط التفتيش ودوائر المرور، وأشد من ذلك وأمرّ حجزها في حجز المرور عند وقوع المخالفة منها أو الحوادث، وربما يقول قائل : المخرج من هذه البلايا والمحرمات أن نسمح للنساء بالعمل في القطاع العسكري والمرور والورش والمحطات، وهذا المخرج مع صعوبة إمكانيته، فهو كما قال الأول: "كالمستجير من الرمضاء بالنار".
كما أن من المفاسد الوخيمة: نزع الحياء من المرأة، نتيجة تكرار مقابلتها للرجال ومحادثتهم عند المحطات والورش ومعارض السيارات ونقاط التفتيش والحوادث وعند تعطل السيارة، وهل سيبقى للحياء مكان في قلبها بعد هذا كله.
ناهيك عن تسهيل أسباب الفساد أمام المرأة بحيث تخرج متى شاءت وتذهب أين شاءت بدون حسيب ولا رقيب. وأن ذلك سيكون ذريعة قوية لسفرها وحدها بدون محرم وهو من كبائر الذنوب.
ومن المفاسد: إضعاف قوامة الرجل، إذ أن المرأة إذا قادت السيارة وقضت حوائجها بنفسها، قلّت حاجتها للرجل الذي يقوم على شأنها. بل لا تستبعد كثرة حصول الشك والريبة لدى الزوج عند تغيبها وتأخرها، مما يؤدي إلى الخصام والفرقة والطلاق ، ونظن أن مجتمعنا ليس بحاجة لزيادة نسبة الطلاق العالية فيه.
ومن المفاسد العظيمة: الاختلال الأمني والانفلات الذي لا يعلم مداه مخلوق؛ فلا تسل عن قضايا التحرش والمضايقات والخطف والاغتصاب التي ستحصل لتلك المرأة السائقة من ضعاف النفوس في الطرقات وعند التوقف وتعطل السيارة، ولا يخفى ما تتعرض له المرأة في وقتنا هذا من تحرش ومضايقات ومعها محرمها أو سائقها، فكيف إذا كانت تقود السيارة وحدها؟!
ومن المفاسد: زيادة ازدحام السيارات وكثرة الحوادث، لأن المرأة بمقتضى طبيعتها أقل من الرجل حزماً، وأقصر نظراً وأعجز قدرة، فإذا داهمها الخطر عجزت عن التصرف. وهذا سيثقل كاهل الدولة وسيضعف اقتصادها من خلال السعي في توسيع شبكة الطرق إضافة إلى اضطرارها لفتح أقسام في كافة الدوائر لمراجعة النساء.
ختاماً.. إن أولي الألباب والنهى يدركون خطورة هذه القضية؛ ويستشعرون شيئاً من مفاسدها وبلاياها، ولا يشك عاقل –لو لم تصدر الفتوى- في أن حكم شرع الله في هذه المسألة هو التحريم لمفاسدها الظاهرة قبل أن تقع؛ كيف والفتاوى الجماعية والفردية قد صدرت بالتحريم القاطع لهذه المسألة والتحذير من الوقوع فيها.
إن علينا جميعاً؛ وعلى المرأة خصوصاً؛ أن نعلم أن أمثال هؤلاء الأدعياء من الكتبة والمرتزقين ليسوا حماة للمرأة ولا لحقوقها؛ ولن يكونوا أرحم بها من خالقها الذي خلقها وهو أعلم بما ينفعها وما يضرها.
من الذي يكرم المرأة؟! أهو الذي يحوّلها من مخدومة إلى خادمة؟! أم هو الذي سيخرجها من ظلال المنزل إلى وهج الشمس الحارقة؟! أم هو الذي ينقلها من أمن القرار ونعومة المظهر إلى خطر الإطارات المنفجرة وتعب ومعاناة السيارات المتعطلة؟!
هل يكرم المرأة من يقود بها السيارة ليخدمها ويلبي حاجاتها ويقضي متطلباتها؟ أم الذي يدفعها لتقود سيارتها بنفسها ولتقضي حاجتها هي حتى في ساعات الليل المتأخرة؟!نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا وأمننا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق