السبت، 3 أبريل 2010

أشراط الساعة 2 (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 27/7/1423هـ)
الخطبة الأولى
قدمنا حديثنا عن أشراط الساعة الكبرى في الخطبة الماضية بمقدمة موجزة حول المهدي عليه السلام تمهيداً للكلام المفصل حول تلك الأشراط، واليوم بإذن الله نبدأ الحديث في تفاصيلها فنقول:
بينما المؤمنون مع إمامهم المهدي عليه السلام في أرغد عيش وأهنأ حال؛ وهم يقتسمون غنائم القسطنطينية التي فتحوها بالتهليل والتكبير دون قتال؛ إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون.
والدجال رجل أحمر قصير أفحج جعد الرأس أجلى الجبهة عريض النحر، ممسوح العين اليمنى ليست بناتئة ولا جحراء؛ كأنها عنبة طافية، وعينه اليسرى عليها ظَفَرة غليظة، مكتوب بين عينيه (كافر) أو (ك ف ر) يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب، والدجال عقيم لا يولد له.
أما فتنته فهي أعظم الفتن منذ خلق الله آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال".
ويكون خروجه على حين غفلة من الناس وذهول.. عن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يخرج الدجال حتى يذهل الناس عن ذكره، وحتى تترك الأئمة ذكره على المنابر" رواه أحمد وصححه الألباني.
قال السفاريني: "مما ينبغي لكل عالم أن يبث أحاديث الدجال بين الأولاد والنساء والرجال… إلى أن قال: ولا سيما في زماننا هذا الذي اشرأبت فيه الفتن وكثرت فيه المحن واندرست فيه معالم السنن، وصارت السنن فيه كالبدع، والبدعة شرعاً يتبع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" اهـ.
يخرج الدجال فيفتن الناس ويدعوهم إلى الإيمان به؛ ويدعي الألوهية، ومعه من الفتن العظيمة الكثيرة ما يبهر العقول.
يبتلى به المؤمنون ابتلاءً عظيماً ويزلزلون زلزالاً شديداً.. ولذلك حذّر منه الأنبياء أممهم، وحذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم أمته أشد تحذير، وبيّن أمره أيّما بيان؛ يتجلى ذلك في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنكم؟"، قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غيرَ الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه؛ والله خليفتي على كل مسلم". رواه مسلم.
ويكون بدء ظهور الدجال من أصبهان؛ من حرة يقال لها: اليهودية، وأكثر من يتبعه اليهود والترك والعجم وأخلاط من الناس غالبهم من الأعراب والنساء.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة" رواه مسلم، وفي حديث آخر: "يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المُطْرقة" رواه الترمذي، والمراد بهم: الترك والعجم. وأما الأعراب فيتبعونه لأن الجهل غالب فيهم، وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك –يعني أبعثهم أحياء بعد أن ماتوا- أتشهد أني ربك؟ فيتمثل له شيطان في صورة أبيه وأمه فيقولان له: يا بني، اتبعه فإنه ربك.. وأما النساء؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن حالهن وشدة تأثرهن به: "ينزل الدجال في هذه السبخة –يعني موضعاً قرب المدينة- فيكون أكثر من يخرج إليه النساء حتى إن الرجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطاً مخافة أن تخرج إليه". رواه أحمد وصححه أحمد شاكر.
وجاء في صحيح مسلم في قصة تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر ثم أووا إلى جزيرة حتى مغرب الشمس فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر ما يدرون ما قُبُله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك من أنت؟ قالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم، انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمّت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال:فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد… ثم ذكر كلاماً… فسألهم قال: أخبروني عن نخل بيسان؟ قلنا له: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها؛ هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: أما إنه يوشك ألا تثمر.. قال: أخبروني عن بحيرة طبرية؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قلنا: هي كثيرة الماء. قال: إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زُغَر؟ قلنا له: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين، ما فعل؟ قلنا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أن هقد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه. وإني مخبركم عني، أنا المسيح الدجال.. وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة –أو واحداً- منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها.. فطعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخصرته في المنبر وقال :هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة -يعني المدينة-"..
إن فتنة الدجال أعظم الفتن؛ لما معه من الخوارق التي تحير الألباب وتبهر الأفئدة، وقد تتابع الأنبياء كلهم على تحذير أقوامهم من فتنته.. ذكره النبي صلى الله عليه وسلم مرة فقال: "إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور" رواه البخاري.
يأتي الدجال إلى الناس فيدعي أنه الله، ويسير معه جنة ونار، فجنته نار وناره جنة، معه جبال الخبز وأنهار الماء.. يقول النبي صلى الله وسلم: "لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماء أبيض والآخر رأي العين نار تأجج. فإما يدركن أحد منكم فليأت النهر الذي رآه ناراً وليغمض ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه فإنه ماء بارد" رواه مسلم.
ويمكث الدجال في الأرض أربعين ليلة، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كأسبوع وسائر أيامه كأيام الناس، وسرعته في السير كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على قوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له فيأمر السماء فتمطر ويأمر الأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرّاً وأسبغه ضروعاً وأمدّه خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شاباً فيضربه بالسيف فيقطعه جَزلتين ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك..
هذه بعض فتن الدجال التي ورد ذكرها في الأحاديث الصحيحة يجب على العبد الإيمان والتصديق بها كما جاءت..
وتلك الفتن عظيمة لو تصورها الإنسان وخيل حاله وتأملها لو أدركته.. فنسأل الله جل وعلا أن يعصمنا من الدجال ويقينا شر فتنته..
بارك الله لي ولكم.




الخطبة الثانية
ومع كل هذه الفتن العظيمة التي يجريها الله على يد الدجال؛ فإن الله لم يدع عباده الذين يدركون الدجال أمام هذه الفتن دون أن يبين لهم ما يقيهم منها ويدفع عنهم شررها..
فإنه سبحانه –كما في صحيح البخاري- يُخرج للدجال رجلاً من خير الناس من المدينة ليكشف أمره ويجلي للناس خبره لئلا يفتنوا به، فيقول الرجل: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه. فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا. فيقتله ثم يحييه –بإذن الله- فيقول الرجل: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدجال قتله فلا يُسلط عليه، فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به، فيحسب الناس أنه قذف به إلى النار، وإنما أُلقي إلى الجنة.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أعظم شهادة عند رب العالمين". رواه البخاري.
ومما يقي من فتنة الدجال التمسك بالإسلام والتسلح بسلاح الإيمان، ومعرفة أسماء الله وصفاته التي لا يشاركه فيها أحد.. فيعلم الإنسان أن البشر ناقص يأكل ويشرب ويموت –كما هو حال الدجال- وأن الله كامل منزه عن النقائص.. ويعلم أن الدجال أعور وأن الله جل وعلا ليس بأعور.. ويعلم أنه لن يرى أحد ربه حتى يموت، وأما الدجال فيراه الناس مؤمنهم وكافرهم..
وعلى المرء أن يتعوذ بالله من شر فتنة الدجال؛ خصوصاً في آخر الصلاة حيث ثبت ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله.. يقول صلى الله عليه وسلم: "إذا تشهد أحدكم فيستعذ بالله من أربع: من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال". رواه مسلم.
ومن أساليب الوقاية كذلك حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف ومن آخرها.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف –وفي رواية: من آخرها- عُصم من فتنة الدجال". رواه مسلم. وروى أيضاً في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه الطويل: "من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف".
قال النووي: "سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمن تدبرها لم يفتتن بالدجال، وكذلك آخرها قوله تعالى: "أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء"اهـ.
ومن أعظم أساليب الوقاية من فتنة الدجال ؛ البعد عنه والفرار منه، والأفضل سكنى مكة أو المدينة لأنه لا يدخلهما كما تقدم.. فينبغي للمسلم إذا خرج الدجال أن يبتعد عنه وذلك لما معه من الخوارق والشبهات العظيمة التي يجريها الله على يديه فتنة للناس، فإنه يأتيه الرجل وهو يظن في نفسه الإيمان والثبات فيتبع الدجال..
عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات أو لما يبعث به من الشبهات" رواه أحمد وصححه الألباني.
اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق