السبت، 3 أبريل 2010

اليوم الآخر (2): الاحتضار وفتنة القبر (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 14/1/1425هـ)
الخطبة الأولى
إن الإيمان بالغيب والتصديق والتسليم بما ورد في شأنه من نصوص الوحيين من أشرف صفات المتقين؛ بل هو أشرفها، وهو من علامات فلاحهم وهداية الله لهم: "الم* ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين* الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون* والذين يؤمنون بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون* أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون".
ومن الغيب الذي يجب على من أراد النجاة الإيمان به؛ ما أخبر الله عنه في كتابه وأخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من المشاهد التي تحدث عند حضور أجل الإنسان ثم ما يحدث حين يوضع في قبره؛ حيث يحدث في تلك الحفرة الصغيرة من الأحداث الجسيمة ما يحدث؛ وبعد ذلك؛ اليوم العظيم: "يوم يقوم الناس لرب العالمين".
وقبل أن نشرع –عباد الله- في ما نريد الحديث عنه؛ ينبغي لنا أن نتنبه إلى أمرين:
الأمر الأول: أن نؤمن بكل ما جاءت به تلك النصوص من الكتاب والسنة من أمور الغيب التي لا مجال للعقل فيها للخوض أو الجدال، بل نؤمن إيماناً صادقاً ونسلّم تسليماً كاملاً بكل ذلك كما ورد في الكتاب والسنة.
والأمر الثاني: أن توافق فعالنا أقوالنا؛ وأن نعمل ونجتهد في العمل تصديقاً لإيماننا بذلك، فإن من آمن بشيء عمل على وفقه، ومن آمن بالجنة والنار ولم يعمل للفوز بالجنة والنجاة من النار فما آمن حق الإيمان.
عباد الله.. إذا حان الأجل وشارفت حياة الإنسان على المغيب أرسل الله رسل الموت لسل الروح المدبِّرة للجسد والمحرِّكة له: "وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون".
فأما المؤمن فتأتيه الملائكة بصورة حسنة؛ وأما الكافر فتأتيه في صورة قبيحة؛ ففي حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما الطويل في قصة المحتضر وفتنة القبر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ بصره، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة –وفي رواية: المطمئنة- اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان..." وذكر الحديث.
ثم ذكر الكافر فقال: "وإن العبد الكافر –وفي رواية: الفاجر- إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه معهم المسوح من النار –والمسوح: جمع مِسح، وهو ما يُلبس من نسيج الشعر على البدن تقشفاً وقهراً للبدن- فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب... إلى آخر الحديث.
وهذه الحال من البشارة للمؤمن والتقريع والتوبيخ للكافر؛ جاء ما يصدّقه في كتاب الله، فقد قال الله عن المؤمنين: "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.. الآيات" وقد ذكر طائفة من المفسرين أن هذا يكون حال الاحتضار، لأن المرء يكون في موقف صعب؛ لا يدري عن ما يستقبله شيئاً، فتجيء هذه البشارة فيطمئن المؤمن ويحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، وأما الكافر فقد قال الله: "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون"، وفي الآية الأخرى: "حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين". ولمثل هذا التقريع والتوبيخ يكره هذا لقاء الله فيكره الله لقاءه. روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت. قال: "ليس كذلك. ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا حُضر بُشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه".
عباد الله.. وللموت سكرات وكُرب شداد أقضت مضاجع الصالحين وأرّقت جفون المتقين: "وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد". ولو نجا من سكرة الموت أحد لنجا منها أحب خلق الله إلى الله: رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة رضي الله عنها: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ودخل ابن مسعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقال: بأبي أنت وأمي، ما أشد ما تجد من الوجع. قال: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم. قال ابن مسعود: ذلك أن لك أجرين؟ قال: أجل.. وقد كان يتغشاه الكرب صلوات الله وسلامه عليه فيغشى عليه ثم يفيق أكثر من مرة وفي كل مرة كان يضع يده الشريفة في ركوة فيها ماء بارد فيمسح بها وجهه الطاهر ويقول: " لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت".
وقد يحدِّث بعض الناس بما يجد من الكرب، وممن حدّث بهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه، فإنه لما حضرته الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه! إنك لتقول: يا ليتني ألقى رجلاً عاقلاً لبيباً عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل، فصف لي، فقال: يا بني، والله كأن جنبي في تخت، وكأني أتنفس من سم إبرة، وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي..
وما حرص الشيطان على إغواء إنسان حرصه عليه في سكرة الموت –كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- لما في الصحيح: "الأعمال بالخواتيم"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها". وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا.
وأما صفة خروج الروح ففي حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما الطويل المتقدم ذكر شيء منه، حين يقول ملك الموت للمؤمن ما يقول.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فتخرج روحه –يعني المؤمن- تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها –وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يُعرج بروحه من قِبلهم- فإذا أخذها ملك الموت لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فذلك قول الله: "توفته رسلنا وهم لا يفرطون" ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان –بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا- حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل: "اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى... وذكر بقية الحديث.
وأما الكافر فحين يقول له ملك الموت ما يقول، قال صلى الله عليه وسلم: "فتفرق روحه في جسده فينتزعها كما ينتزع السُّفود الكثير الشُعب من الصوف المبلول فتُقطّع معها العروق والعصب، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان –بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا- حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا فيُستفتح له فلا يفتح له"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط"، "فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنا أخرجهم تارة أخرى".
اللهم هون علينا سكرات الموت، وأحسن خاتمتنا، واجعل آخر كلامنا: لا إله إلا الله..
بارك الله لي ولكم.


الخطبة الثانية
وبعد أن تخرج روح الإنسان تأتي مرحلة البرزخ، وهي حياة القبر وفيه فتنة عظيمة.. وهذه المرحلة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.. يقول الله سبحانه: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة". وهذا في فتنة القبر كما في بقية حديث البراء بن عازب المتقدم وسيأتي ذكره.. وأما السنة ففيها حديث البراء وحديث أسماء في الصحيحين: "إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال". ومن المعلوم أن فتنة الدجال أعظم فتنة، فقد روى مسلم عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال". وقد أجمع أهل السنة والجماعة على ذلك لوروده في الكتاب والسنة. وليس المراد بالقبر تلك الحفرة الصغيرة فحسب، بل هي شاملة لحياة البرزخ إلى قيام الساعة، سواء دفن الميت أو أكلته السباع في البر أو الحيتان في البحر أو احترق وذَرَته الرياح.
وأما فتنة القبر ففي حديث البراء رضي الله عنه أن الميت المؤمن إذا أمر بروحه أن تعاد إلى جسده ودفن، قال البني صلى الله عليه وسلم: "إنه ليسمع قرع نعال أصحابه إذا ولوا عنه مدبرين. فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويلجسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا" فينادي مناد في السماء: صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من رُوحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك، أبشر برضوان الله وجنات فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: وأنت فبشرك الله بخير، من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح، فوالله ما علمتك إلا سريعاً في طاعة الله بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً. ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا. فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجّل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي.
وأما الكافر فتطرح روحه من السماء طرحاً فتقع في جسده ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق" فتعاد روحه في جسده فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويلجسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد. فيقول: هاه هاه لا أدري. سمعت الناس يقولون ذاك. فيقال: لا دريت ولا تلوت. فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوا له من النار وافتحوا له باباً إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها ويضيّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: وأنت بشرك الله بالشر، من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئاً عن طاعة الله سريعاُ إلى معصية الله فجزاك الله له شراً. ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه ضربة حتى يصير تراباً، ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار ويمهّد من فُرُش النار فيقول: رب لا تقم الساعة. وهذا الحديث موجود بطوله مفرقاً في كتب السنة. ويبقى المؤمن في نعيمه والكافر في جحيمه حتى تقوم الساعة.
وأما بداية فتنة القبر فتبدأ من حين يدفن، فهو يسمع قرع نعال أصحابه وهو يُسال، ولذلك كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل". ختاماً.. عباد الله.. عوداً على بدء نقول: إن الواجب علينا تجاه هذه النصوص وأمثالها مما ورد في شأن الغيبيات أن نؤمن بها ونسلّم لها ونستعد لما جاء ذكره فيها.. نسأل الله أن يرزقنا الثبات على دينه إلى أن نلقاه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق