الأحد، 4 أبريل 2010

قضايا المرأة (1): الأندية الرياضية النسائية (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 5/6/1430هـ)
الخطبة الأولى
لقد كاد أعداء الإسلام وما يزالون يكيدون للإسلام والمسلمين؛ ويحاولون القضاء على دينهم وتشويه صورته بين العالمين؛ أو على الأقل طمس هوية المجتمعات الإسلامية من خلال توجيه الأفكار الهدامة والمعتقدات الباطلة إليهم؛ أو من خلال نهب ثرواتهم والاستيلاء على خيراتهم. وليس هذا عجيباً! فالله تعالى أخبر عنهم في كتابه بقوله: "إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون"؛ "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"؛ "يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون".
إنما العجيب –عباد الله- أن تأتينا السهام من بيننا من خلال بني جلدتنا الذين يتكلمون بألسنتنا.. إذ إن كل عاقل يعلم أن عدوه لا ينصح له أبداً، لكن المصيبة أن يأتي من ينتسب إليك ويُنسب إلى المسلمين قد أُشرب قلبه حب الغرب ومودتهم والإعجاب بحضارتهم الساقطة؛ فيأتيك في ثياب إبليس: "إني لكما لمن الناصحين". فيغتر بحاله ومقاله كثير من السذّج والبسطاء ويؤيدونه دون النظر في حال ومآل ما ينادي به ويدعو إليه.
أيها المسلمون.. لقد ابتلي المسلمون –خصوصاً في هذه البلاد حرسها الله- بكتبة جندوا أنفسهم وأقلامهم لخدمة الأعداء؛ فتراهم ينتقصون ويقللون من شأن شعائر الدين وشرائعه، ويدعون إلى التفتح والتحلل بدعوى الحرية الشخصية والنهضة الحضارية، فهم –والله- عدو في صورة ناصح؛ ووليٌّ في مسلاخ بعيد كاشح؛ جعلوا عداوتهم وأذاهم حذراً وإشفاقاً؛ وتنفيرهم وتخذيلهم إسعافاً وإرفاقاً.
وإن أكثر ما طبّلوا له وطنطنوا حوله قضيةُ المرأة؛ إذ يأتون إليها كل يوم بقضية جديدة تمسخ حياءها وحشمتها في ثوب المدنية والتقدم.. وإن من آخر ما نادوا به واستمسكوا به كثيراً قضية النوادي الرياضية للنساء؛ حيث قدموا بين يدي أطروحاتهم مسوغات واهيةً كبيت العنكبوت؛ لو تأمل العاقل فيها لحظات لأتي بنيان تلك المطالبات من القواعد فخرّ السقف على أصحابها.
أيها المسلمون.. إن من المسوغات التي يتشبث بها المطالبون بالأندية النسائية: التخفيف من آثار السمنة التي انتشرت بين بنات المسلمين؛ والتقليل من مخاطرها وآثارها السيئة.. فهل كان ذلك مجدياً في الشباب حتى نجرّبه على الفتيات؟ إذ إن الدراسات أثبتت ارتفاع نسبة السمنة لدى الشباب؛ ومع حبّهم الشديد للرياضة لم ينفعهم ذلك في اتقاء السمنة؛ فهل سيجدي ذلك مع النساء؟
ثم إن لقضية السمنة عوامل كثيرة ينبغي أن لا نغفلها –إن كنا نريد محاربتها-؛ ومن أبرز ذلك: العوامل الوراثية والبيئية والحركية وغيرها؛ إضافة إلى التقدم التقني ومظاهر الرفاهية التي لا تنتهي؛ ما أطال ساعات الجلوس وقلّل ساعات النشاط البدني.
عباد الله.. إن قضية السمنة قضية مهمة لا ينبغي التهوين من شأنها ولا التقليل من خطرها؛ لكن علاجها الرئيس يتركز في أمرين:
الأول: التخفيف من الطعام؛ "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"، واتباع الهدي النبوي في الغذاء: "فثلث لطعامه؛ وثلث لشرابه؛ وثلث لنفسه".
والثاني: إزالة مظاهر الترف والدلال التي أنتجت لنا جيلاً من الفتيات قليل الحركة. لمَ لا نطالب الأسر بالاستغناء عن الخادمات؟ فذلك سيثمر لنا خيراً كثيراً: تحرّك الفتاة والتقليل من سمنتها؛ وتعويدها على أمور البيت ووظائفه التي هي مهمتها الرئيسة قبل سائر المهام الدنيوية؛ والتقليل من وجود العمالة في بلدنا.
عباد الله.. ومن مسوغاتهم التي يستمسكون بها: القضاء على وقت الفراغ لدى الفتيات. وعجيب هذا! فإن الفتاة ينقضي ثلث يومها في مقر العمل أو محضن الدراسة؛ ثم إذا عادت: فإن كانت موظفة فلديها أعمال البيت التي لا تنقضي؛ وكذلك العناية بالأولاد وشؤونهم –إن كان لديها أولاد-، وإن كانت دارسة فستقضي بقية يومها في مراجعة دروسها والإعداد لغدها.
وإن اتفقنا على وجود فراغ لدى المرأة؛ فإن خير ما تصرفه فيه تعلّم كتاب الله تلاوة وحفظاً وتدبّراً من خلال دور التحفيظ المنتشرة؛ حيث إن الالتحاق بمثل هذه المناشط يُثمر خيراً كبيراً يعود نفعه على البيت وأهله عاجلاً أو آجلاً.
وهناك إلى جانب دور التحفيظ: الأقسام النسائية لدى الجمعيات الخيرية ومكاتب الجاليات وغيرها.
أيها المسلمون.. ومن المسوغات التي يذكرها أولئك الكتبة الموتورون: أن الرياضة مهمة لا ينكر قدرها أحد؛ بل حض عليها ديننا الحنيف في مثل ما ورد عن عمر بن الخطاب t أنه قال: "علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل". فإذا كانت المرأة في أندية خاصة مستقلة عن الرجال؛ ومضبوطة بالضوابط الشرعية؛ فما المانع من ذلك؟
والجواب أن يقال: إن الأثر المرويّ –لو ثبت- فإن لفظه: "علّموا أبناءكم"؛ ولفظ البنين في لسان الشرع ينصرف للذكور؛ إضافة إلى أن تتمة الأثر قد جاء فيها: "ولَنِعْم لهو المرأة المغزل لها". ففرّق t بين الذكور والإناث.
وإذا كانت الرياضة مهمة للمرأة؛ فإن عملها في بيتها خير رياضة لها، وهو مصنّف ضمن الأعمال الشاقة التي تتطلب جهداً كبيراً.. إضافة إلى أن هناك أجهزة للرياضة المنزلية تناسب فطرة المرأة وأنوثتها وتحقق لها المهم من الرياضة وتقضي على مظاهر السمنة.
ثم ما هي هذه الضوابط الشرعية التي صارت شمّاعة لتمرير المخالفات؟ أيريدون ضوابط كالتي تعلّقوا بها في العباءات حتى صرنا نرى عباءات يستحي الرجل من النظر إليها؟! أم يريدون ضوابط كالتي تشبّثوا بها حين أدخلوا المرأة في قطاع الأعمال والتجارة؛ حتى صرنا نرى سيدات الأعمال يجلسن بجوار رجال الأعمال ويتحدثن إليهم بكل جرأة في التجمعات الاقتصادية والمنتديات التجارية؟!
أوَ ليس من مقتضيات الأندية الرياضية وجودُ ملابس خاصة لها؟! إن ارتداء المرأة للملابس الرياضية؛ ولو أمام النساء؛ فيه مفاسد عظيمة لا يمكن أن تمرّر من تحت عباءة الضوابط الشرعية. وإن ظاهرة إعجاب النساء بالنساء خطر عظيم سيجد أرضاً خصبة من خلال تلك النوادي. ناهيك عن إمكانية وجود كاميرات التصوير في أي مكان من تلك النوادي؛ وما سيترتب على ذلك من مفاسد؛ الله أعلم بآخرها.
ولا تنس –أيها المسلم الغيور- أن وجود هذه الأندية يعني وجود أخصائيات ومدربات؛ وسيفتح المجال لإقامة دورات رياضية في أماكن أخرى؛ وربما تطوّر الأمر حتى صرنا نرى معاهد وكلّيّات وأكاديميات لتخريج النساء الرياضيات. ثم سيكون الأمر بعد ذلك مهيأً لدخول المرأة المنافسات الرياضية؛ حتى على المستوى الدولي.
ثم كيف ستكون تلك الأندية بعيدة عن أعين الرجال؟! هل سننسى ما آذتنا به الصحافة المحلية وبعض الفضائيات في الأيام الماضية من صور مجموعة من الفتيات السعوديات يمارسن رياضة بمسمى نادٍ معيّن بلا حياء من الله ولا من الناس؟! فأين بُعدُها عن الرجال؟ وأين ضوابطها الشرعية المزعومة؟
ألا تعجب من هذا الاهتمام البالغ بهذه القضية؟! ألا يوجد في العالم فتاة تلعب الرياضة غير أولئك اللائي حظين بهذا الاهتمام؟!
إن هذا اللهث الإعلامي وراء تلك الحادثة يبيّن لنا أن الهدف ليس مجرد الرياضة؛ وإنما هو السعي –ضمن المنظومة العالمية- لنزع حجاب المرأة في بلادنا وخلع جلباب العفاف والحياء عنها؛ وصدق الله: "وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً".
بارك الله لي ولكم.


الخطبة الثانية
إن في وجود تلك الأندية مفاسد لا تخفى ومخاطر لا تنقضي؛ فمن ذلك:
القضاء على حياء المرأة؛ من خلال تلك الملابس الفاضحة؛ وخصوصاً في المسابح وحمامات الساونا. والنبي r قد قال: "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى" رواه أبو داود. وروى الترمذي عن جابر: أن النبي r قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام".. والمراد بالحمّام في الحديث: ما يجتمع فيه مجموعة للاغتسال، وسميت بذلك لأن الغُسل فيها يكون بالماء الحميم –أي: الحار-. وحكمة المنع ظاهرة: هي الخوف من انكشاف ما لا يجوز كشفه؛ إضافة إلى مخافة اطلاع الأجانب عليها. ولذلك جاز الاغتسال في حمامات البيوت لأن الإنسان يخلو فيها وحده ولا مجال لانكشاف العورة أمام أحد ولا لاطلاع أجنبي.
ثم إن ارتداء المرأة لتلك الملابس يزيد من احتمال إصابتها بالعين؛ لأنها ستظهر في النادي بكمال رشاقتها واعتدال قوامها وحسن جسمها. فتكون عالجت داء بداء.
ومن المفاسد: كثرة خروج المرأة من بيتها بحجة هذه الرياضة وعدم قرارها في بيتها. والله قد أمرها بالقرار في بيتها وعدم الخروج إلا لحاجة؛ فقال موجّهاً خير النساء: "وقرن في بيوتكن".
قال أبو بكر الجصاص: "فيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت منهيات عن الخروج". وقال القرطبي: "معنى هذه الآية: الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي r فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى. هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء. كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة".
ومن المفاسد: بقاء البيت بلا راعٍ يقوم بشؤون وشؤون الأولاد. وكل ذلك بحجة الرياضة.
أضف إلى ذلك: البلاء الذي ظهر بكاميرات الجوال وغيرها في المدارس وحفلات الأعراس. قل لي بربك: كيف سيكون أثرها في النوادي الرياضية؛ وخصوصاً في المسابح؟! ولا تنس أن تلك الأندية يرتادها الصالح والطالح؛ فما الذي سينجم عن مثل تلك التجمّعات؟ ونوادي الشباب تجربة؛ وهي خير برهان.
وأخيراً عباد الله.. إنه لا يخفى على ذي لبّ حرمة وجود تلك الأندية الرياضية للنساء. لأن مفاسدها تربو على مصالحها؛ مع أن مصالحها يمكن تحقيقها بغير هذه الوسيلة. وإن على المسلمين جميعاً الوقوف ضد هذه الفتنة والتنبه لخطرها والتصدي لها.وقى الله بلادنا كل سوء ومكروه؛ وسائر بلاد المسلمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق