الأحد، 4 أبريل 2010

نواقض الإسلام 1 (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 21/6/1423هـ)
الخطبة الأولى
فإن أغلى ما يجب أن يعتز به المسلمون ويحافظوا عليه ويستمسكوا به ويدعوا إليه دينهم وعقيدتهم الإسلام، كيف لا؟! وهو دين الله الحق الذي لا يرضى لهم من الديانات غيره: "إن الدين عند الله الإسلام"، وقال سبحانه: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين".
ولا يستقيم الدين إلا بسلامة التوحيد، وذلك بالاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله، وهو أصل الدين وأساس الملة وقاعدة الإسلام التي عليها مداره، وهو أول واجب وآخر واجب، وأول ما يُدخَل به الإسلام وآخر ما يُخرَج به من الدنيا، ولأجله خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب وافترق الناس إلى مؤمنين وكفار وسعداء وأشقياء…
والتوحيد هو رأس مال العبد في هذه الحياة، وهو ما يفد به على الله بعد الممات وخسارته الإيمان لا تعدلها خسارة، ولا تقبل فيها الفدية ولو بلغت ما بلغت:
"إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين"، وقال سبحانه: "ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين".
وما أتعسها من حالة حين يهيم الإنسان على وجهه في هذه الحياة حيران قلقاً، بعيداً عن نور الإيمان، وتتردى حالته بعدُ، فلا ينقضي النكد ولا يخفف العذاب "والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور"..
عباد الله.. ولما كان الدين بهذه المنزلة والمكانة؛ كان لزاماً على العبد أن يسعى للمحافظة عليه وعدم زواله؛ ولو كلّفه ذلك حياته؛ خصوصاً في زمن الفتن كزمننا هذا، فإن من الناس في زمن الفتن من يتجاوز حدود الدين إلى الكفر ويخرج عن حياضه مرتداً وهو لا يشعر باعتقاد يعتقده أو شك يعتريه أو تصرف يعمله أو كلمة يتفوه بها؛ ولم يلق لذلك بالاً، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا" رواه مسلم.
ولأجل ذلك فإن على العبد أن يعلم نواقض الإسلام التي تقوّض بنيانه وتزلزل أركانه ليحذر من الوقوع والتردي فيها فيهلك وتحبط أعماله من حيث يدري أو لا يدري..
عباد الله.. إن نواقض الإسلام كثيرة تصدّى العلماء لذكرها وبيانها من خلال باب أحكام المرتد في كتب الفقه؛ كما صُنِّفت فيها مصنفات مستقلة أشهرها رسالة شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى رحمة واسعة؛ حيث وضع رسالة مختصرة ضمّنها عشرة من النواقض هي –كما قال- الأعظم خطراً والأكثر وقوعاً.. وسيكون لنا بإذن الله وقفات مع هذه النواقض لبيانها وتجلية الكلام حولها..
فأول تلك النواقض: الشرك في عبادة الله. قال تعالى: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"، وقال تعالى: "إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار"، ومن ذلك –كما يقول رحمه الله- دعاء الأموات والاستغاثة بهم والنذر والذبح لهم: "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون* وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين"، "والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير* إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير"...
والشرك هو أصل كل شر وجماعه؛ وهو أعظم الذنوب على الإطلاق؛ فقد نفى الله مغفرته، وقضى على صاحبه بحبوط الأعمال والخلود في النار؛ ولو كان من نبي؛ وحاشا أنبياء الله أن يقع منهم ذلك؛ يقول سبحانه: "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون"، وقال جل شأنه: "ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين"... وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار". رواه مسلم.
والناظر لحال أمة الإسلام اليوم يرى أن سواداً عظيماً ممن ينتسبون إليها ويحملون مسمى الإسلام قد وقعوا في الشرك وخاضوا فيه وتلطخوا به.. فهاهي القبور والأضرحة تنتشر في أرجاء العالم الإسلامي، يطاف حولها ويُتمسح بها ويبنى عليها وتشد الرحال إليها وتتخذ مزارات وأعياداً، ويدعى أصحابها من دون الله ويُطلب منهم الشفاء والمدد ويذبح لهم ويستغاث بهم.
بل وأعجب من ذلك أن يظهر من علماء الضلال والرؤساء الجهال من يفتي بجواز الشرك واتخاذ التماثيل للعظماء تخليداً لذكراهم؛ ويسوّغون تلك الفتاوى بأن الوعي لدى الناس قد تنامى؛ وإنما كان النهي عن ذلك لقرب عهد الناس بالأصنام. نعوذ بالله أن نَضِل أو نُضَل أو نُضِل.. وهل وقع الشرك في بني آدم إلا لما صوروا صالحيهم ليخلدوا ذكراهم؛ كما حصل من قوم نوح؟!.
ومن الشرك المنتشر بين كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام تعليق التمائم والحروز لجلب الخير دفع الضر واعتقاد أنها مؤثرة بنفسها من دون الله..
ومن الشرك أيضاً الذبح للأولياء أو الجن لطلب النفع أو لاتقاء الشر؛ ومنه ما يفعله كثير من الجهلة الحمقى الذين يذبحون الذبائح على أعتاب أبواب بيوتهم عند سكناها..
الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم الشفاعة.. وهذا الناقض داخل في الناقض الأول؛ لكن أفرده الشيخ رحمه الله تعالى لأهميته ولكثرة وقوع الناس فيه دون سائر صور الشرك..
وهذه الصورة هي ما حكى الله عن المشركين حين قال: "ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله"، ويقول سبحانه: "والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب تفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين".
وقال في موضع آخر: "من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى"اهـ.
فالذين اتخذوا تلك الوسائط إنما اتخذوها لما شبهوا الله بالمخلوق العاجز الذي لا يُسأل إلا بواسطة؛ فقالوا: إن الله أولى بالواسطة. فشبهوا الله بخلقه، وفي كتاب الله ما يدحض افتراءهم ويبطل كلامهم. يقول تعالى: "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ومالهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير* ولا تنفع الشفاعة عند إلا لمن أذن له". وقال تعالى: "قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا* أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا" ويقول جل شأنه: "قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون".
ومن تدبر القرآن تبينت له غربة الدين وجهل كثير من الناس برب العالمين: "وما قدروا الله حق قدره"..
اللهم إنا نسألك الثبات على الدين حتى الممات.
اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم، ونستغفرك لما لا نعلم..
بارك الله لي ولكم..


الخطبة الثالثة
الناقض الثالث من نواقض الإسلام: من لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم. لأن الله قد حكم بكفرهم؛ وهذا يكذّب الله تعالى ويرد قوله. فلا يُحكم بإسلام المرء حتى يكفّر المشركين ويتبرأ منهم ويعاديهم. فإن توقف في ذلك أو شك فيه فهو مثلهم.
وأما من صحح مذهبهم واستحسن ما هم عليه من الكفر والطغيان فهو كافر لأنه لم يعرف الإسلام على حقيقته؛ وهو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله..
وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سعد بن طارق عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله". فلا يكتفى بعصمة دم المسلم أن يقول: لا إله إلا الله، بل لا بد أن يضيف إليها الكفر بما يعبد من دون الله..
وهذا الأصل من أصول ملة إبراهيم عليه السلام التي أُمرنا باتباعها، ومن رغب عنها فقد سَفِه نفسه: "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده".
وقال تعالى: "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى".. قال الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: "وصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفّر أهلها وتعاديهم".
فمن لم يكفّر المشرك الكافر؛ سواء كان كافراً أصلياً كاليهود والنصارى أو ثبت كفره يقيناً كالباطنية والرافضة فهو كافر مثلهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر" وقال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: "فإن كان شاكاً في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على كفرهم، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه كافر بإجماع العلماء، على أن من شك في كفر الكافر فهو كافر"اهـ.
ويدخل في هذا الناقض ما نراه من كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام وهم يوالون المشركين ويقرّبونهم ويعظّمونهم.. مع أن الله حذّر من ذلك ولو كانوا من القرابة، فقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان"، وقال تعالى: "لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم".
ويدخل تحت مظلة هذا الناقض أيضاً الدعوة إلى الاشتراكية أو العلمانية أو البعثية فهي كلها فرق ضالة كافرة؛ ولو تسمى أصحابها بالإسلام لأن الأسماء لا تغير الحقائق.فنشكو إلى الله ما حل بنا في هذا العصر الغريب الذي انقلبت فيه الموازين وأصبح الكثير يتعاملون مع الأسماء دون المسميات ومع الدعاوى دون البينات.. فعدو الله الذي يحارب الدين ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً قد صار مؤمناً موحداً عند الجهال المغفّلين وأهل الشهوات بدعوى أنه يتلفظ بالشهادتين.. وما يغني عنه تلفظه بهما وقد صار جندياً من جنود إبليس يحارب هذا الدين بالنفس والمال.. والله المستعان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق