السبت، 3 أبريل 2010

في بيت النبوة 1 (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 3/6/1424هـ)
الخطبة الأولى
للبيوت أسرارها، وللعلاقات الزوجية سماتها، وفي حياة كل زوجين أفراح وأتراح، فيوماً تطيب العشرة بين الزوجين فيصبحان وكأنهما أسعد زوجين، ينعمان بعيشة هنية وحياة زوجية هانئة هادئة، ويوماً يحدث في البيت ما يعكر صفوه ويكدر هناءه فتتباعد القلوب وتستوحش النفوس، ويضيق البيت على سعته بساكنيه، وبين هذين اليومين أيام وأيام تكون شوباً من المودة والبغض، وخليطاً من الحب والكراهية، فيا ترى هل هناك بيت يخلو من المشاكل والمنغصات بين الزوجين؟ ومن الزوج المثالي الذي يحسن إدارة منزله، ويجيد قيادة مركب العائلة حتى لا تغرقه أمواج الشقاق ويبتلعه طوفان المشكلات؟
أيها الأحبة ليس منا أحد يدعي أنه ذلك الرجل، ولكن دعونا نرحل إلى منزل زوج مثالي كان قدوة عظيمة في فن إدارة منزله، إنه زوج لا كالأزواج، رجل كان على خلق رفيع ومنهج حميد، استطاع بحكمته وبرفقه ولينه أن يدير منزله أحسن إدارة، لم يكن يماثله أحد في الخلق والعدل، ولم يكن أغنى الناس، بل كان من أقلهم مالاً، تمضي عليه الأيام والليالي الكثيرة ولم يذق طعاماً مطبوخاً، كان بيته صغيراً لا باحات فيه ولا ساحات، ولا ملاحق ولا مقدمات، بل كان منزله مكوناً من حجرات قليلة، في كل حجرة منها تسكن إحدى زوجاته، هذا الرجل كان يحمل رسالة عظيمة، وقد وكلت إليه مهمة جسيمة، ولكن مهمته تلك لم تشغله عن إصلاح منزله ورعاية أسرته، والترفق مع مشاكل البيت، ومع أنه كان قمة في الخلق واللين والصفح عن المخطئ والعفو عن الجاهل، إلا أنه لم يخل بيته من المشكلات الزوجية، ولم يسلم بيته من حدوث المنغصات والمكدرات مثله مثل سائر بيوت الناس.
إنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، هذا النبي الكريم الذي اصطفاه ربه من بين الخلائق أجمعين، زكاه ربه فقال: "وإنك لعلى خلق عظيم"، وقد أمرنا ربنا جل وعلا بالتأسي به: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا". فصلى الله عليه وسلم ما تعاقب الليل والنهار.
عباد الله، تعالوا بنا نسائل زوجاته أمهات المؤمنين فنسمع منهن ما كان يقع في بيت محمد صلى الله عليه وسلم من بعض المكدرات والمشكلات، وكيف تعامل معها هذا النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ولننظر ولنقارن بين ما قد نفعله نحن حيال ما يقع في بيوتنا وبين ما فعله محمد صلى الله عليه وسلم.
عباد الله.. لو اكتشف أحدنا أن زوجته تشك في بعض تصرفاته وربما تلصصت على أقواله أو أفعاله أو تبعت خطواته هنا أو هناك، يدفعها إلى ذلك الريبة وسوء الظن، ماذا سيصنع بها زوجها؟ وما موقفه من هذه الأنثى الضعيفة التي تجرح كبرياءه بشكها، وتهدد قوامته برصدها ومتابعتها؟ أيلطمها ويسبها؟ أم يتفوه بطلاقها؟ أم يبادلها الشك والريبة ويضع تصرفاتها تحت مجهره وبين عينيه؟ ربما فعل أحدنا ذلك كله أو بعضه، ولكن دعونا نعرض ذلك على بيت محمد صلى الله عليه وسلم وهل وقع شيء من ذلك، وما الذي صنعه أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم؟
تحدثنا أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قائلة: ألا أحدثكم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعني. قالوا: بلى. قالت: لما كانت ليلتي التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدتُ، فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه –أي أغلقه- رويداً، فجعلتُ درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع، فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت –والإحضار العدْو- فسبقتُه، فدخلتُ فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: "ما لك يا عائشُ حَشْيا رابيةً؟" –يعني أن نفَسَها مرتفع- قالت: لا شيء. قال: "لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير" قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته، قال: "فأنتِ السواد الذي رأيت أمامي" قلت: نعم. فلَهَدني في صدري لهدة أوجعتني –ومعنى لهدني: دفعني- ثم قال: "أظننتِ أن يحيف الله عليك ورسوله؟" قالت: مهما يكتم الناس يعلمْه الله..
ثم انظروا يا رعاكم الله إلى أريحيته وسعة صدره صلى الله عليه وسلم وهو يبين لها في آخر الليل السبب الذي دعاه إلى ما صنع- قال: "فإن جبريل أتاني حين رأيتِ فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك وظننت أن قد رقدتِ، فكرهت أن أوقظكِ وخشيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم… " الحديث.. رواه مسلم في صحيحه.
ومثال آخر، لو طلبت زوجة أحدنا منه أن يساعدها في تنظيف المنزل أو ترتيب أركانه، فما عساه يقول في جوابها؟ أيوافق مستبشراً، أم يكشر غاضباً وكأن رجولته قد انتقصت؟ أما محمد بن عبد الله فتقول عنه زوجه عائشة رضي الله عنها فيما أخرجه البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
ومن ظن أنه قد يخلو بيت من المشكلات فقد أبعد النجعة وطلب محالاً، فإذا كان محمد وهو سيد البشر وأفضلهم وأتقاهم، ونساؤه أمهات المؤمنين، ولم يكن لربه سبحانه أن يزوجه إلا من ذوات الفضل والخلق والمعدن الكريم، ومع ذلك لم يخل بيته من تلك المشكلات المعتادة في البيوت، فبيوت غيره من الناس أحرى. ها هو عمر بن الخطاب يحدثنا عما علمه وسمعه وشاهده فيقول: كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخِبتُ على امرأتي فراجعتني –أي: راددتني في القول وناظرتني فيه- فأنكرت أن تراجعني، قالت: ولِمَ تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم إلى الليل، فأفزعني ذلك وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن. ثم جمعتُ علي ثيابي فنزلت فدخلتُ على حفصة –زوج النبي صلى الله عليه وسلم-، فقلتُ لها: أي حفصة. أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خبت وخسرت، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلِكي. الحديث.. أخرجه البخاري.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاكم السياسي والقائد العسكري والمفتي الشرعي، ومع ذلك كله كان الزوج الشفيق والأب الرحيم.. فهل يعي رجال المسلمين وشبابهم تلك النماذج النبوية الرائعة؟!
بارك الله لي ولكم.




الخطبة الثانية
ومع كل تلك الأعمال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحملها ويقوم بها على أكمل وجه؛ فلم يكن بالذي يحول بين أهله وبين ما أباح الله تعالى من اللهو المباح، هذه عائشة تحدث قائلة: والله لقد رأيت رسول الله يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله وهو يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو. أخرجه مسلم في صحيحه.
بل إنه لم تمنعه هيبته ولا وقاره عن أن يسابق زوجه عائشة رضي الله عنها، فتسبقه مرة ويسبقها في المرة الأخرى، وهو رسول رب العالمين وسيد الأولين والآخرين، بل إن بيته لم يكن يخلو مما يكون بين الضرائر من النزاع والشقاق والتنافس، ومع هذا كان مثالاً للزوج الحكيم الحليم الذي لا تأخذه العزة بالإثم أو يعجل في العقاب، أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين، فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخّرها، حتى إذا كان رسول الله في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول الله في بيت عائشة. فكلم حزبُ أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله يكلم الناس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله هدية فليهدها حيث كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئاً، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئاً. فقلن لها: فكلميه.. -حتى تكرر ذلك ثلاثاً فما زاد أن قال لها-: "لا تؤذيني في عائشة. فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة". فقالت: أتوب إلى الله من ذاك يا رسول الله..
ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله فأرسلت إليه تقول: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر، فقال: "يا بنية، ألا تحبين ما أحب؟" قالت: بلى. فرجعت إليهن فأخبرتهن فقلن لها: ارجعي إليه. فأبت.
فأرسلن زينب بنت جحش فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبّتها، حتى إن رسول الله لينظر إلى عائشة هل تكلم، فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها قالت: فنظر النبي إلى عائشة وقال: "إنها بنت أبي بكر".
وأخرج مسلم في صحيحه عن أنس قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع، فكنّ يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة فجاءت زينب فمد يده إليها فقالت عائشة: هذه زينب. فكف النبي صلى الله عليه وسلم يده، فتقاولتا حتى استَخَبَتَا –أي: اختلطت أصواتهما وارتفعت-، وأقيمت الصلاة فمر أبو بكر على ذلك فسمع أصواتهما فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي صلى الله عليه وسلم صلاته فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبي صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولاً شديداً، وقال: أتصنعين هذا؟!.
وأخرج البخاري عن أنس قال كان النبي عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصَحْفَة فيها طعام، فضربت التي النبيُ في بيتها يدَ الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت فجمع النبي فِلَق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: ((غارت أمكم)). ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرت.
فلله دره من مربٍ.. عدل في التعامل ورفق بالجاهل، لا صراخ ولا زعيق ولا تهديد ولا وعيد، فسبحان من أدب نبيه فأحسن تأديبه.وبعد أيها المسلمون، هذا غيض من فيض، وتلك صور قليلة مما حفلت به كتب السنة موضحةً كيف كان النبي يتعاهد أزواجه ويصبر على ما قد يثرنه من المشكلات التي تقع في بيوته، ناهيكم عما ورد من أقواله الكثيرة في وجوب إحسان عشرة الزوجات وتحمل أذاهن، فقد كان كثيراً ما يوصي بهن ويبين حقوقهن وينهى عن ظلمهن، فليكن لنا فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ومن أراد السعادة في حياته العملية والزوجية فليتق الله ربه وليقتد بنبيه صلى الله عليه وسلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق