السبت، 3 أبريل 2010

أشراط الساعة 1 (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 20/7/1423هـ)
الخطبة الأولى
فإن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان وأصل من أصوله، ولأهميته نجد أن الله تعالى كثيراً ما يربط الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر، كما قال تعالى: "ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين"، وقال جل شأنه: "ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر".
وقل أن تمرّ على صفحة من القرآن إلا وتجد فيها حديثاً عن اليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب.
إن الإيمان باليوم الآخر هو المُوَجِّه الحقيقي لسلوك الإنسان سبيل الخير، وليس هناك أي قانون من قوانين البشر يستطيع أن يجعل سلوك الإنسان سوياً مستقيماً كما يصنعه الإيمان باليوم الآخر.
ولهذا فإن هناك فرقاً كبيراً وبوناً شاسعاً بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر ويعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة وبين سلوك من لا يؤمن بشيء من ذلك.
فالمصدق بيوم الدين يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا، فترى له سلوكاً فريداً في الحياة؛ ترى الاستقامة وقوة الإيمان والثبات عند الشدائد والصبر على المصائب ابتغاءً للأجر والثواب.
إنه يُحس بثقل التبعة وعظم الأمانة التي تحمّلها وأشفقت منها السماوات والأرض والجبال، فهو يعلم أن كل كبيرة وصغيرة مسؤول عنها ومحاسب بها ومجازى عليها.
وأما الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر فهو يحاول جاهداً أن يحقق مآربه في هذه الحياة الدنيا؛ لاهثاً وراء مُتَعِها، متكالباً على جمعها. قد جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته الخاصة لا يُهمه غيره ولا يلتفت إلى بني جنسه إلا فيما فيه نفع له.. وهذا التصور الجاهلي المحدود الضيق هو الذي جعل أهل الجاهلية الأولى يسفكون الدماء وينهبون الأموال ويقطعون الطريق؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء؛ كما صور الله حالهم بقوله: "وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين"، وكما قال قائلهم: إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع.
من أجل ذلك اهتم الإسلام وجاء التأكيد في القرآن على قضية الإيمان باليوم الآخر، فأنكر الله على الجاهلين اسبتعادهم له، وأمر نبيه أن يقسم في ثلاثة مواضع على أنه حق؛ وما أمره أن يقسم في القرآن على غيره، يقول تعالى: "ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين"، ويقول سبحانه: "وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم"، ويقول جل شأنه: "زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير".
والإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بعلاماته وأشراطه وبأهواله وفظائعه ومواقفه ومصير الناس فيه.. وكل هذه الأحوال والأهوال غيب لا يحيط به علم إنسان أو خياله؛ بل لا يعلمه إلا الله: "قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله"، ومع ذلك فإن المرء يلزمه الإيمان بذلك والتسليم له؛ وهذا مما يلزم التنبيه له خاصة في هذا العصر نظراً لتسلط النظرة المادية وسيطرة نزعتها على قلوب كثير من الناس وعقولهم حتى غفلوا عن الغيب؛ بل أصبح الحديث عندهم عن أمور الغيب شيئاً لا يستحق أن يتوقف له أو يُتحدث فيه. ولقد جعل الله الإيمان بالغيب أولى خصال عباده المتقين؛ وما ذاك إلا لأن له تأثيراً واضحاً في اعتقادهم وسلوكهم، قال جل شأنه: "آلم* ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين* الذين يؤمنون بالغيب".
ولأجل ذلك فأُرانا اليوم مبتدئين في سلسلة خطب عن أمر الغيب في أشراط الساعة التي يجهلها كثير من الناس أو يجهلون تفاصيلها كما جاءت عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.. ولقد أغنانا الله بكتابه وصحيح سنة رسوله في هذا الباب؛ فما تسمعونه من الكلام في هذه الخطب حول أحوال تلك الأشراط وأوصافها قد جاء في الأحاديث الصحيحة؛ لكن آثرت عدم إيراد تلك الأحاديث بنصها ليكون الكلام مترابطاً في الأذهان ورغبة عن الإطالة ولأن بعض الأحوال تتكرر في أكثر من حديث.
أيها المسلمون.. لقد اتفق أنبياء الله ورسله في دعوتهم أقوامهم للاستعداد للوقوف بين يدي رب العالمين يوم يقوم الحساب؛ ذلك أن هذا الموقف يشترك فيه الخلائق أجمعون، لكن لما كانت أشراط الساعة خاصة بهذه الأمة المحمدية؛ فقد بيّنها الله أكمل بيان وأتمّه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أشفق الصحابة من قيام الساعة عليهم.
وقد تحقق كثير مما أخبر به صلى الله عليه وسلم ووقع كثير من تلك الأشراط، وهذا بلا شك يزيد المؤمن إيماناً وتصديقاً وتسليماً، إذ يظهر من دلائل نبوته وآيات صدقه ما يوجب على المسلمين التمسك بهذا الدين الحنيف، وكيف لا يزدادون إيماناً وهم يرون هذه المغيبات التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تقع كما أخبر. وإن كل واحدة من هذه الأشراط التي تحدث لمعجزة بينة لنبي هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه..
عباد الله.. لقد قسم العلماء أشراط الساعة تقسيماً اصطلاحياً إلى قسمين: صغرى وكبرى. فأما الصغرى فمنها ما حدث ومنها ما لم يحدث، وهي تسبق قيام الساعة بأزمان قد تتطاول؛ وقد يظهر بعضها مصاحباً للكبرى أو بعدها؛ وتكون غير خارقة للعادة..
ومن هذه الأشراط: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهي أولها، يقول صلى الله عليه وسلم: "بعثت أنا والساعة كهاتين" رواه الشيخان. وروى أحمد بسند حسن بلفظ: "بعثت أنا والساعة جميعاً، إن كادت لَتَسبقني".
ومنها: موته صلى الله عليه وسلم وقبض العلم وفشو الجهل والتطاول في البنيان وكثرة الفتن وكثرة القتل وظهور مدعي النبوة وظهور نار الحجاز التي تضيء لها أعناق الإبل ببصرى في الشام وانتشار الربا والزنا وظهور المعازف واستحلالها وعودة أرض العرب مروجاً وأنهارا.
وينبغي أن يُعلم أن من أشراط الساعة ما ظهرت مباديها منذ عهد الصحابة وهي في ازدياد ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، وإنما تقوم الساعة إذا استحكم ذلك.
وليُتنبه إلى أن بعض الناس يفهم من كون الشيء من أشراط الساعة أنه محذور وممنوع، وليس بمسلّم، فليس كل ما ورد أنه من علامات الساعة أنه محذور وممنوع، فإن تطاول الرعاء في البنيان وفشوّ المال وعودة أرض العرب مروجاً وأنهاراً ليس بحرام بلا شك، وإنما هي علامات؛ والعلامات تكون بالخير والشر، وبالمباح والمحرّم والواجب. نسأل الله أن يعيذنا من مضلات الفتن ومن نزغات الشيطان الرجيم.
بارك الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
أما الأشراط الكبرى فهي أمور عظام خارقة للعادة تقع وتكون مقدمة لخراب العالم وإيذاناً بقيام الساعة.. وهذه الأشراط لم يظهر منها شيء حتى الآن، لكنها إذا ظهرت واحدة منها تسارع ما بعدها كعقد انقطع نظامه فتتابعت حباته أو خرزاته.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضاً" رواه أحمد وصححه الألباني..
وقد جُمعت هذه الآيات والعلامات في غير ما حديث، من ذلك حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله عنه قال: اطلع علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟" قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات.. فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم عليه السلام ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" رواه مسلم.
قال الطيبي: "الآيات أمارات للساعة إما على قربها وإما على حصولها، فمن الأول: الدجال ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج والخسوف، ومن الثاني: الدخان وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والنار التي تحشر الناس"اهـ. وهذا الترتيب هو الأجمع بين الروايات، وقد رجحه كثير من العلماء.
ويحسن بنا أن نقدِّم بين هذه الأشراط كلاماً حول المهدي لارتباط ذكر بعضها بذكره.
لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك العربَ المهدي؛ رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعترته، من ذرية فاطمة رضي الله عنها ثم من ولد الحسن بن علي رضي الله عنهما، لا كما يدعي الرافضة أنه من نسل الحسين رضي الله عنه.
والمهدي يواطئ اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم واسم أبيه اسمَ أبيه، فيكون اسمه: محمد أو أحمد بن عبدالله.. وهو أجلى الجبهة أقنى الأنف يخرج من المشرق. يصلحه الله في ليلة ويؤيد به الدين. يبعثه على اختلاف من الناس وزلازل فيملك الأرض ويملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، وتنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط؛ تُخرج الأرض نباتها وتمطر السماء قطرها ويعطى المال بغير عدد.
في زمانه الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم.. يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، ويُقسم المال صحاحاً بالسوية بين الناس، وتكثر الماشية وتَعْظم الأمة.. يمكث عليه السلام في الأرض سبع سنين أو ثمانياً أو تسعاً ثم لا خير في العيش بعده..
قال الآبري رحمه الله: "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته"اهـ.
وفي عهده عليه السلام يفتح المسلمون القسطنطينية بدون قتال؛ بل بالتهليل والتكبير. وللحديث حول أشراط الساعة بقية نستكملها في الجمعة القادمة بإذن الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق