السبت، 3 أبريل 2010

تفجيرات الرياض- 11 ربيع الأول (خطبة جمعة)

(خطبة جمعة ألقيت في 15/3/1424هـ)
الخطبة الأولى
فقد جاء هذا الدين العظيم الكامل شاملاً لجميع ما يصلح حال المرء في دينه ودنياه وآخرته وصالحاً لكل زمان ومكان، ذلك أنه بُني على أصول وقواعد تقتضيها الفطر السليمة وترتضيها العقول الصحيحة.
ومن تلك القواعد: القاعدة العريضة العظيمة؛ وهي حفظ الضروريات التي بها قوام حياة الإنسان ولا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوتُ النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.. وهذه الضروريات مرتبةً حسب الأولوية والأهمية هي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال.
ومن كمال هذا الدين وعظمته أنه جاء بالخير والسلام للعالمين؛ وجاء بحفظ الحقوق للناس وتحريم سفك دمائهم بغير حق أو الاعتداء عليهم بأي شكل من أشكال الاعتداء؛ سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
عباد الله.. إن ما حدث في الأيام الماضية من التفجيرات عمل إجرامي خطير وكبير لا يرضاه الله ورسوله؛ ولا يقره دين الإسلام؛ ولا يقبله من كان عنده أدنى ذرة من إيمان أو عقل، ودين الإسلام وأهله منه براء. إنه محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة وهو صادر من صاحب فكر منحرف وعقيدة ضالة..
إن هذا الجرم العظيم محرم وكبيرة من الكبائر؛ ولا يختلف المسلمون في تحريمه؛ ولا في بشاعته وتعظيم إثمه؛ إذ هو متضمن لعدة محرمات؛ فهو يتضمن الاعتداء على حرمة بلاد المسلمين وترويع الآمنين فيها ؛ ويتضمن قتل النفس المعصومة والانتحار؛ والإفساد في الأرض؛ وإتلاف الأموال المعصومة.. إضافة إلى أنه ذريعة وإعانة للأعداء في مهاجمة الإسلام وأهله والتسلط عليهم وإذلالهم واستغلال خيراتهم؛ وهذا بحد ذاته جريمة عظيمة.
عباد الله.. إن قتل النفس المسلمة بغير حق جريمة عظيمة وكبيرة من الكبائر؛ وقد قرنه الله بالشرك وقدّمه على الزنا فهو أعظم منه، يقول تعالى: "والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً* يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً"، وأخرج الشيخان واللفظ للبخاري عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: "أن تدعو لله نداً هو خلقك" قال: ثم أي؟ قال: "ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قال: ثم أي؟ قال: "ثم أن تزاني حليلة جارك". قال عبدالله: فأنزل الله تصديقها: "والذين لا يدعون مع الله… إلخ".
ويقول الله تعالى: "ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً".. فتوعّده الله بأربع عقوبات كل واحدة منها كافية في الزجر عن هذا الجرم العظيم، توعده: بجهنم وطول المكث فيها، وبالغضب، واللعن، ثم أعد له عذاباً عظيماً. بل إن ابن عباس رضي الله عنهما أخذ من هذه الآية أن القاتل لا توبة له.
ويقول الله تعالى: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً"؛ قال مجاهد رحمه الله: في الإثم. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: "اجتنبوا السبع الموبقات"، وذكر منها: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور أو قال شهادة الزور" أخرجه البخاري.
وأخرج البخاري أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً".
وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني.
وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار" رواه الترمذي وصححه الألباني.
وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً" رواه النسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وصححه الألباني.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله. أخرجه البخاري.
قال ابن حجر رحمه الله: "وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لمن قتل عامداً بغير حق: تزود من الماء البارد فإنك لا تدخل الجنة".اهـ.
وأما قتل المعاهد وأهل الذمة والمستأمنين فيكفي في بيان شناعته حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه" أخرجه مسلم.
وأما الانتحار فكبيرة من الكبائر.. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجّأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً". أخرجه الشيخان.
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعنها في النار" رواه البخاري.
وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" أخرجه الشيخان.
وأما الإفساد في الأرض؛ فإن الله جل وعلا يقول: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم".
ويقول سبحانه: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام* وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد".
قال الإمام ابن باز قدس الله روحه: "إذا كان من تعرض للناس بأخذ خمسة ريالات أو عشرة ريالات أو مئة ريال مفسداً في الأرض؛ فكيف من يتعرض بسفك الدماء وإهلاك الحرث والنسل وظلم الناس؛ فهذه جريمة عظيمة وفساد كبير.
التعرض للناس بأخذ أموالهم أو في الطرقات أو في الأسواق جريمة ومنكر عظيم، لكن مثل هذا التفجير ترتب عليه إزهاق نفوس وقتل نفوس وفساد في الأرض وجراحة للآمنين وتخريب بيوت ودور وسيارات وغير ذلك، فلا شك أن هذا من أعظم الجرائم ومن أعظم الفساد في الأرض وأصحابه أحق بالجزاء بالقتل والتقطيع بما فعلوا من جريمة عظيمة"اهـ.
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يفضح هؤلاء المعتدين وهتك ستورهم؛ وأن يمكّن منهم لينفذ فيهم حكم شرعه المطهر.. إنه سميع مجيب..
بارك الله لي ولكم..



الخطبة الثانية
إن على المسلمين عموماً؛ والشباب خصوصاً أن يأخذوا العلم من منهله ومورده الصحيح: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم السلف الصالح، وليحذروا من نزغات السوء ومسالك الجنوح الفكري والفساد العقدي؛ ومن الوقوع في المحرمات المهلكات ومكائد الشيطان؛ فإن الشيطان لا يزال بالعبد حتى يوقعه في المهالك؛ إما بالغلو في الدين وإما بالجفاء عنه ومحاربته والعياذ بالله.. والشيطان لا يبالي بأيهما ظفر من العبد؛ لأن كلا الطريقين: الغلو والجفاء من سبل الشيطان التي توقع صاحبها في غضب الرحمن وعذابه.
وليحذر الجميع أيضاً من بعض الشبه الواهية التي يلقيها الشيطان من خلال بعض أتباعه والمغترين بشبهته، والنفس الأمارة بالسوء إذا أرخى لها صاحبها العِنان ذهبت به مذاهب الردى؛ ووجد الحاقدون فيها مدخلاً لأغراضهم وأهوائهم التي يبثونها في قوالب محسّنة..
عباد الله.. إن ولي أمر المسلمين واجبةٌ طاعته ما لم يأمر بمعصية؛ ولا يجوز الخروج عليه ما دام يقيم الصلاة ولم نر منه كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان..
عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" فقلنا: يا رسول الله ،أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة". أخرجه مسلم.
وعن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها" قالوا: يا رسول الله،فما تأمرنا؟ قال: "تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم". متفق عليه.
قال النووي: "في هذا الحديث الحث على السمع والطاعة، وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً، فيعطى حقه من الطاعة، ولا يُخرج عليه ولا يُخلع، بل يُتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه، ودفع شره وإصلاحه"اهـ.
وعن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا".
قال النووي: "ومعناه: من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حق من لا يستطيع إنكاره بيده ولا لسانه، فليكرهه بقلبه وليبرأ… ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، وفيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بمجرد السكوت، بل إنما يأثم بالرضى به أو بأن لا يكرهه بقلبه أو بالمتابعة عليه"اهـ.
ثم إن من أدخله ولي الأمر المسلم بعقد أمان وعهد فإنه معصوم النفس والمال لا يجوز التعرض له؛ ومعلوم أن أهل الإسلام ذمتهم واحدة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم".
ولما أجارت أم هانئ رضي الله عنها رجلاً مشركاً عام الفتح وأراد علي بن أبي طالب رضى الله عنه أن يقتله؛ ذهبت للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" أخرجه البخاري ومسلم.
والمقصود أن من دخل بعقد أمان أو بعهد من ولي الأمر لمصلحة رآها فلا يجوز التعرض له ولا الاعتداء لا على نفسه ولا ماله.
ثم إن المنكر لا ينكره باليد إلا من قدر على ذلك؛ ولم يترتب على إنكاره مفسدة أعظم؛ فإن كان يترتب عليه مفسدة أعظم حرم تغييره بهذه الصفة إجماعاً.
وختاماً.. ليعلم الجميع وليخبروا من وراءهم أن من الواجب الشرعي هنا على كل من علِم حول هذه المخططات الإجرامية ومنفذيها التبليغ عنهم لأن هذا من باب التعاون على دفع الإثم والعدوان وعلى سلامة الناس منه،، والسكوت عن شيء من ذلك ذنب عظيم وغير جائز شرعاً؛ وهو داخل فيمن لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند مسلم حين قال: "لعن الله من آوى مُحدِثاً" يعني: ضم جانياً..نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ على أرض الحرمين وسائر بلاد المسلمين دينها وأمنها وإيمانها..

هناك تعليق واحد: